Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 16, Ayat: 40-41)

Tafsir: Ǧāmiʿ al-bayān ʿan taʾwīl āy al-Qurʾān

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

يقول تعالـى ذكره : إنا إذا أردنا أن نبعث من يـموت فلا تعب علـينا ولا نصب فـي إحيائناهم ، ولا فـي غير ذلك مـما نـخـلق ونكوّن ونـحدث لأنا إذا أردنا خـلقه وإنشاءه فإنـما نقول له كن فـيكون ، لا معاناة فـيه ولا كُلفة علـينا . واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله : « يكون » فقرأه أكثر قرّاء الـحجاز والعراق علـى الابتداء ، وعلـى أن قوله : { إنَّـمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ } كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده ، ثم يبتدأ فـيقال : « فـيكونُ » ، كما قال الشاعر : @ يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فـيعجِمُهْ @@ وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض الـمتأخرين من قرّاء الكوفـيـين : « فَـيَكُونَ » نصبـاً ، عطفـاً علـى قوله : { أنْ نَقُولَ لَهُ } . وكأن معنى الكلام علـى مذهبهم : ما قولنا لشيء إذا أردناه إلاَّ أن نقول له : كن ، فـيكون . وقد حُكي عن العرب سماعاً : أريد أن آتـيك فـيَـمْنَعَنـي الـمطر ، عطفـاً بـ « يَـمْنَعَنـي » علـى « آتـيك » . وقوله : { وَالَّذِينَ هاجَرُوا فـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً } يقول تعالـى ذكره : والذين فـارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم فـي الله علـى كفرهم إلـى آخرين غيرهم . { مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا } يقول : من بعد ما نـيـل منهم فـي أنفسهم بـالـمكاره فـي ذات الله . { لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً } يقول : لنسكننهم فـي الدنـيا مسكناً يرضونه صالـحاً . وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : { وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا لَنُبَوّئَنَّهُمْ } قال : هؤلاء أصحاب مـحمد ظلـمهم أهل مكة ، فأخرجوهم من ديارهم حتـى لـحق طوائف منهم بـالـحبشة ، ثم بوأهم الله الـمدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة ، وجعل لهم أنصاراً من الـمؤمنـين . حُدثت عن القاسم بن سلام ، قال : ثنا هشيـم ، عن داود بن أبـي هند ، عن الشعبـي : { لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً } قال : الـمدينة . حدثنـي مـحمد بن سعد ، قال : ثنـي أبـي ، قال : ثنـي عمي ، قال : ثنـي أبـي ، عن أبـيه ، عن ابن عبـاس ، قوله : { وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً } قال : هم قوم هاجروا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلـمهم ، وظَلَـمَهُم الـمشركون . وقال آخرون : عنى بقوله : { لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً } لنرزقنهم فـي الدنـيا رزقاً حسناً . ذكر من قال ذلك : حدثنـي مـحمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث ، قال : ثنا الـحسن ، قال : ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى ، قال : أخبرنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبـي نـجيح ، عن مـجاهد { لَنُبَوّئَنَّهُمْ } لنرزقنهم فـي الدنـيا رزقاً حسناً . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الـحسين ، قال : ثنـي حجاج ، عن ابن جريج ، عن مـجاهد ، مثله . حدثنـي الـحرث ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا هشيـم ، عن العوامّ ، عمن حدثه أن عمر بن الـخطاب كان إذا أعطى الرجل من الـمهاجرين عطاءه يقول : خذ بـارك الله لك فـيه ، هذا ما وعدك الله فـي الدنـيا ، وما ذخره لك فـي الآخرة أفضل . ثم تلا هذه الآية : { لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً ولأَجْرُ الآخرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ } . وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال : معنى { لَنُبَوّئَنَّهُمْ } : لنـحلنهم ولنسكننهم ، لأن التبوأ فـي كلام العرب الـحلول بـالـمكان والنزول به . ومنه قول الله تعالـى : { وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنـي إسْرَائيـلَ مُبَوَّأَ صدْقٍ } وقـيـل : إن هذه الآية نزلت فـي أبـي جندل بن سهيـل . ذكر من قال ذلك : حدثنـي الـمثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : ثنا جعفر بن سلـيـمان ، عن داود بن أبـي هند ، قال : نزلت { والَّذِينَ هاجَرُوا فِـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا … } إلـى قوله : { وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فـي أبـي جندل بن سهيـل . وقوله : { وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ } يقول : ولثواب الله إياهم علـى هجرتهم فـيه فـي الآخرة أكبر ، لأن ثوابه إياهم هنالك الـجنة التـي يدوم نعيـمها ولا يبـيد . وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : قال الله : { وَلأَجْرُ الآخرَةِ أكْبَرُ } أي والله لـما يثـيبهم الله علـيه من جنته أكبر { لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ } .