Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 8, Ayat: 1-4)
Tafsir: Tafsīr al-Manār
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
روى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل قتيلاً فله كذا وكذا ، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا " فأما المشيخة ( أي المشايخ ) فثبتوا تحت الرايات . وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم ، فقالت المشيخة للشبان : " إنّا كنّا لكم ردءاً ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } وذلك في غزوة بدر . وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص أنّه قتل سعيد بن العاص وأخذ سيفه واستوهبه النبيّ صلى الله عليه وسلم فمنعه إياه ، وأن الآية نزلت في ذلك فأعطاه إياه لأن الأمر وكلّ إليه صلى الله عليه وسلم . وعن ابن جرير أنّهم سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس فنزلت هذه الآية . وجملة القول أنها نزلت في غنائم غزوة بدر تنازع فيها حائزوها من الشبان وسائر المقاتلة . وقيل المهاجرون والأنصار . قال تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ } الأنفال جمع نفل بالتحريك وهو في أصل اللّغة من النفل - بفتح وسكون - أي الزيادة عن الواجب ومنه صلاة النفل . قال الراغب النفل قيل هو الغنيمة بعينها لكن اختلفت العبارة عنه لإختلاف الإعتبار فإنّه إذا اعتبر بكونه مظفوراً به يقال له غنيمة ، وإذا اعتبر بكونه منحة من الله ابتداء من غير وجوب يقال له نفل ، ومنهم من فرّق بينهما من حيث العموم والخصوص فقال الغنيمة كلّ ما حصل مستغنماً بتعب كان أو بغير تعب ، وباستحقاق أو بغير استحقاق ، وقبل الظفر كان أو بعده . والنفل ما يحصل للإنسان قبل القسمة من جملة الغنيمة ، وقيل هو ما يحصل للمسلمين بغير قتال وهو الفيء ، وقيل ما يحصل من المتاع قبل أن تقسم الغنائم . وعلى هذا حملوا قوله : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ } الآية . والمعنى يسألونك أيّها الرسول عن الأنفال لمن هي ؟ أللشبان أم للمشيخة ؟ أو للمهاجرين أم للأنصار { قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } أي قل لهم الأنفال لله يحكم فيها بحكمه وللرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى وقد قسمها صلى الله عليه وسلم بالسواء . وهذا لا ينافي التفصيل الذي سيأتي في قوله تعالى : { وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال : 41 ] إلخ فيكون التفصيل ناسخاً للإجمال كما قال مجاهد وعكرمة والسدي فالصواب قول ابن زيد إن الآية محكمة وقد بيّن الله مصارفها في آية الخمس ، وللإمام أن ينقل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس . { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في المشاجرة والخلاف والتنازع وسيأتي في السور مضار ذلك ولا سيّما في حال الحرب { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } أي أصلحوا نفس ما بينكم وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض وهي رابطة الإسلام وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفوّق ، وبالإيثار أيضاً . والبين في أصل اللّغة يطلق على الإتصال والإفتراق وكلّ ما بين طرفين كما قال : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 94 ] ويعبر عن هذه الرابطة بذات البين . وأمرنا في الكتاب والسنّة بإصلاح ذات البين فهو واجب شرعاً تتوقف عليه قوّة الأمّة وعزّتها ومنعتها وتحفظ به وحدتها . { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في الغنائم وفي كلّ أمر ونهي وقضاء وحكم ، فالله تعالى يطاع لذاته لأنّه ربّ العالمين ومالك أمرهم ، والرسول يطاع في أمر الدين لأنّه مبلغ له عن الله تعالى ومبين لوحيه فيه بالقول والفعل والحكم . وهذه الطاعة له تعبدية لا رأي لأحد فيها وتتوقف عليها النجاة في الآخرة والفوز بثوابها ، ويطاع في اجتهاده في أمر الدنيا المتعلّق بالمصالح العامة ولا سيّما الحرب من حيث أنه الإمام والقائد العام ، فمخالفته إخلال بالنظام العام وإفضاء إلى الفوضى التي لا تقوم معها للأمة قائمة . فهذه الطاعة واجبة شرعاً كالأولى إلاّ أنّها معقولة المعنى ، فقد أمره الله تعالى في تنفيذ أحكامه وإدارته بمشاورة الأمّة كما تقدم في سورة آل عمران وأشرك معه في هذه الطاعة أولي الأمر كما تقدم في سورة النساء ، وسيأتي كيف راجعه بعضهم في هذه الغزوة المفصّلة أحكامها في هذه السورة ورجع عن رأيه صلى الله عليه وسلم إلى الرأي الذي ظهر صوابه ، ولكن الأمر الأخير لا بدّ أن يكون له كما شاورهم في غزوة أحد في الخروج من المدينة أو البقاء فيها . فلما انتهت المشاورة وعزم على تنفيذ رأي الجمهور راجعوه فلم يقبل مراجعة ، وقد بينا هذا مع حكمته في تفسير { وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } [ آل عمران : 159 ] وترى في تلك السورة كيف كانت مخالفة الرماة له صلى الله عليه وسلم سبباً في ظهور العدو على المسلمين فراجع تفسير : { أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } [ آل عمران : 165 ] . ولأئمة المسلمين منهم من حقّ الطاعة في تنفيذ الشرع وإدارة الأمور العامّة وقيادة الجند ما كان له صلى الله عليه وسلم منه مقيّداً بعدم معصية الله تعالى وبمشاورة أولي الأمر كما تقدم تفصيله في تفسير : { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] الآية . ثمّ قال تعالى : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإن الإيمان يقتضي ذلك كلّه لأن الله تعالى أوجبه ، والمؤمن بالله غير المرتاب بوعده ووعيده يكون له سائق من نفسه إلى طاعته إلاّ أن يعرض له ما يغلبه عليها أحياناً من ثورة شهوة أو سورة غضب ، ثمّ لا يلبث أن يفيء إلى أمر الله ويتوب إليه مما عرض له كما تقدم في تفسير : { إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } [ النساء : 17 ] إلخ ثمّ وصف الله المؤمنين بما يدل على هذا ويثبته فقال : { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } هذه جملة مستأنفة لبيان حال المؤمنين الذين بين في شرطية الآية قبلها شأنهم من التقوى وإصلاح ذات البين في الأمة وطاعة الله ورسوله على قاعدة أن النكرة إذا أعيد ذكرها معرفة تكون عين الأولى أو بيان حال المؤمنين الكاملي الإيمان مطلقاً ليعلم منه أن تلك الأمور الثلاثة هي بعض شأنهم ، وقد بين صفاتهم بصيغة الحصر التي يخاطب بها من يعلم ذلك أو ينزل منزلة العالم به الذي لا ينكره وهي " إنّما " كما حققه إمام الفن الشيخ عبد القاهر . وصفهم بخمس صفات : الصفة الأولى : قوله : { ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } قال الراغب : الوجل إستشعار الخوف . يعني ما يجعل القلب يشعر به بالفعل وعبر غيره عنه بالفزع والخوف ( وبابه فرح وتعب ) وذلك أن الخوف توقع أمر مؤلم في المستقبل قد يصحبه شعور الألم والفزع ، وقد يفارقه لضعفه أو لإعتقاد بعد أجله ، فالوجل والفزع أخص منه . وفي سورة الحجر من حوار إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ضيفه المنكرين : { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } [ الحجر : 52 - 53 ] إلخ ، وفي سورة المؤمنين في صفة المؤمنين المشفقين من خشية ربّهم : { وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [ المؤمنون : 60 ] فالوجل هنا مقترن بالعمل الصالح وهو البذل والعطاء وفي سورة الحج : { وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلَٰوةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ } [ الحج : 34 - 35 ] وهي بمعنى آية الأنفال ، وليس للوجل ذكر في غير هذه الآيات ، ويتفق معنى الوجل فيها بأنّه الفزع وشعور الخوف يلم بالقلب ، وقد يكون هذا الخوف من العاقبة المجهولة ، وقد يكون من الأجلال والمهابة ، وقد روي من شهر بن جوشب عن أم الدرداء : الوجل في القلب كإحتراق السعفة ، يا شهر بن جوشب أما تجد له قشعريرة ؟ قلت بلى ، قالت فادع الله فإن الدعاء يستجاب عند ذلك . وعن ثابت البناني : قال فلان أني لأعلم متى يستجاب لي ، قالوا ومن أين لك ذلك ؟ قال إذا إقشعر جلدي ، ووجل قلبي ، وفاضت عيناي ، فذلك حين ستجاب لي . وعن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : ما الوجل في القلب إلاّ كضرمة السعفة ، إذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك . السعفة بالتحريك واحدة السعف وهو جريد النخل إذا احترق يسمع له نشيش ، شبهت به أم المؤمنين وأم الدرداء شعور الرجل يهم بالقلب من ذكر الله فيخفق له . والمراد بذكر الله ذكر القلب لعظمته وسلطانه وجلاله أو لوعيده ووعده ، ومحاسبته لخلقه وإدانتهم ، وغير ذلك من صفاته وأفعاله سواء صحبه ذكر اللسان أم لا ، وأعظم ذكر اللسان مع القلب ترتيل القرآن بالتدبّر ، وقد يقول المؤمن في صلاة التهجد في الخلوة : " الله أكبر " مستحضراً لمعنى كبريائه عزَّ وجلّ فينتفض ويقشعر جلده ، فمن خصّ الذكر هنا بالوعيد غفل عن كلّ هذا وظن أن الوجل لا يكون إلاّ من خوف العذاب ، وكأنّه لم يذق طعم الخشية والوجل من مهابة الله وعظمته وكبريائه وعزّة سلطانه وغير ذلك من معاني أسمائه وصفاته ، ولم يقرأ قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ } [ فاطر : 28 ] ولم يعلم أن من عباد الله من يخشع قلبه ويفيض دمعه من ذكر أسماء الله في آخر سورة الحشر : { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } [ الحشر : 21 - 22 ] إلخ ولا يجد مثل هذا الوجل عند وصف جهنم وذكر الحساب والجزاء . وإنّما يأخذ مثل هذا معاني القرآن من فهمه لظواهر بعض الألفاظ بدون شعور بما لها من التأثير في القلوب فيقابل بين هذه الآية وما في معناها وبين قوله تعالى في سورة الرعد : { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } [ الرعد : 28 ] فيظن أن بينهما تعارضاً فيحاول التفصي منه يحمل هذا على ذكر الوعد والآخر على ذكر الوعيد ، ولا تعارض في الحقيقة ولا تنافي ففي كلّ من الوعد والوعيد وصفات الكمال وذكر آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق إطمئنان للقلوب بالإيمان بالله تعالى والثقة بما عنده ، وغير ذلك مما يأتي بسطه في محله إن شاء الله تعالى . ولا ذكر يضرم سعفة الوجل في القلب كتلاوة كلام الرّب عزَّ وجلّ : { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر : 23 ] . الصفة الثانية : قوله تعالى : { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً } أي إذا تليت عليهم آياته المنزلة على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم زادتهم إيماناً أي يقيناً في الإذعان وقوّة في الإطمئنان ، وسعة في العرفان ، ونشاطاً في الأعمال ، ويطلق الإيمان في عرف الشرع على مجموع العلم والإعتقاد والعمل بموجبه وعلى كلّ منهما والقرائن تعين المراد ، وفيما رواه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحهما شواهد صريحة في ذلك ومن أهمها أحاديث أقل الإيمان المنجي في الآخرة وحديث : " الإيمان بضعة وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ولهذا حمل بعض الناس زيادة الإيمان على زيادة العمل اللازم له ، وبعضهم على زيادة ما يتعلّق به الإيمان الذي فسّروه بالتصديق القطعي ، والحق أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص أيضاً فإن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان مؤمناً بإحياء الله للموتى لما دعاه أن يريه كيف يحييها { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ البقرة : 260 ] فمقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوّة وكمالاً ، ويروي عن عليّ المرتضى كرم الله وجهه : لو كشف الحجاب ما ازددت يقيناً . وهذا أقوى من الإيمان بالبرهان وهو أقوى من إيمان التقليد الذي قال به الأكثرون إذا وافق الحق وكان يقيناً ، والعلم التفصيلي في الإيمان أقوى وأكمل من العلم الإجمالي ، مثال ذلك أن الإيمان بتوحيد الله تعالى لا يكمل إلاّ بمعرفة أنواع الشرك الظاهر والباطن التي تنافيه أو تنافي كماله ومنها ما هو أخفى من دبيب النمل ، وقد ورد في الدعاء المأثور : " اللّهمّ إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم " رواه ابن حبان والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى وغيرهم من حديث أبي بكر ( رضي الله عنه ) وضعفه ابن حبان والبيهقي وحسنه غيرهما وكم من مدع لتوحيد الله وناطق بكلمة الإخلاص وهو يعبد غير الله بدعائه مع الله أو من دون الله و " الدعاء هو العبادة " رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من حديث النعمان ابن بشير مرفوعاً . ومثل آخر : من آمن بأن لله تعالى علماً محيطاً بالمعلومات ، وحكمة قام بها نظام الأرض والسماوات ، ورحمة وسعت جميع المخلوقات ، وكان علمه بهن إجمالياً لو سألته أن يبين لك شواهده في الخلق لعجز عنها - لا يوزن إيمانه بإيمان ذي العلم التفصيلي بسنن الله في الكائنات وعجائب صنعه فيها على النحو الذي جرى عليه العلامة المحقق ابن القيم في كتابه تفصيل النشأتين والإمام أبو حامد في كتاب التفكر من الإحياء ، وقد اتسعت معارف البشر بهذه السنن والإسرار في كلّ نوع من أنواع المخلوقات فعرفوا منها ما لم يكن يخطر عشر معشاره لأحد من علماء القرون الخالية ومن كلام العلماء في ذلك قول الواحدي عن عامة أهل العلم إن من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان إيمانه أزيد . وقال الكرخي إن نفس التصديق بقبل القوّة وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق المميز بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ويقين آحاد الأمّة . وضرب الغزالي مثلاً لتفاوت قوّة الإيمان وسائر أنواع العلم بمن يرى شبح إنسان في السدفة ثمّ يراه بعد وضوح الأسفار على بعد فلا يميز صفاته ثمّ يراه في نور الشمس بجانبه فهل يكون علمه به في كلّ هذه الأحوال واحداً ؟ وجملة القول أن زيادة الإيمان ثابتة بنص هذا الآية وآيات أخرى كقوله تعالى في سورة آل عمران في وصف الذين استجابوا لله والرسول إذ دعاهم إلى القتال بعدما أصابهم القرح في غزوة أحد : { ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } [ آل عمران : 173 ] وفي معناه قوله تعالى في سورة الأحزاب : { وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } [ الأحزاب : 22 ] وعطف التسليم على الإيمان هنا يؤيد كون المراد به إيمان القلب لا العمل . وفي معناه قوله تعالى في أوّل سورة الفتح : { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ } [ الفتح : 4 ] فهو في إيمان القلب كما هو المتبادر . وأما آيتا أواخر التوبة [ التوبة : 124 - 125 ] وآية سورة المدّثر [ المدثر : 31 ] فما يحتمل أن تكون زيادة الإيمان فيها زيادة متعلقة بما نزل من القرآن . على أن البخاري استدل بآيتي التوبة وأمثالهما على زيادة الإيمان في القلوب وعليه جمهور السلف . بل حكى الإجماع عليه الشافعي وأحمد وأبو عبيد كما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره . فمن العجب بعد هذا أن تنقل هفوة لبعض العلماء أنكر فيها زيادة الإيمان بالمعنى المصدري لشبهة نظرية ويجعل مذهباً يقلّد صاحبه فيه تقليداً ، وتؤول الآيات والأحاديث لأجله تأويلاً . الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي يتوكلون على ربّهم وحده لا يتوكلون على غيره ولا يفوضون أمورهم إلى سواه عزَّ وجلّ كما أفاده تركيب الجملة . وعن ابن عباس قال : لا يرجون غيره . والتوكّل أعلى مقامات التوحيد ، فإن من كان موقناً بأن ربّه هو المدبر لأموره وأمور العالم كلّها لا يمكن أن يكل شيئاً منها إلى غيره ، ولما كان من المعلوم من الشرع والطبع والعقل بالضرورة أن للإنسان كسباً إختيارياً كلفه الله العمل به وأن يؤمن بأنه يجازى على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر - وجب على الإنسان أن يسعى في تدبير أمور نفسه بحسب ما علمه من سنن الله تعالى في نظام الأسباب وارتباطها بالمسببات معتقداً أن الأسباب ما يعقل منها كالإنسان وما لا يعقل لم تكن أسباباً إلاّ بتسخير الله تعالى ، وأن ما يناله باستعمالها فهو من فضل ربّه الذي سخرها وجعلها أسباباً وعلمه ذلك . وأما ما لا يعرف له سبب يطلب به فالمؤمن يتوكّل فيه على الله وحده وإليه يتوجه وإياه يدعو فيما يطلبه منه ، وأما ترك الأسباب وتنكب سنن الله تعالى في الخلق وتسمية ذلك توكّلاً فهو جهل بالله وجهل بدينه وجهل بسننه التي أخبرنا بأنّها لا تتبدل ولا تتحول . ومثله فيه كمثل من أمره ملكه أو مالكه بأن يعوّل في طعامه وشرابه وسائر حاجة عليه ولا يطلب من غيره شيئاً ، وكان ذلك الملك أو المالك قد أعدّ له ولأمثاله كلّ يوم مائدة لطعامهم وشرابهم فتنطع هو وامتنع عن الإختلاف إلى المائدة مع أمثاله زاعماً أن هذا عصيان لأمر الملك في التعويل عليه وانتظر أن يرسل إليه طعاماً خاصاً - أي أنّه يطلب من ربّه أن يبطل سننه في خلقه لأجله - فما أعظم جهله وغروره به ؟ وقد تقدم تحقيق معنى التوكّل مع بسط القول فيه وكونه يستلزم الأخذ بالأسباب في تفسير : { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } [ آل عمران : 122 ] من سورة آل عمران وسيأتي التذكير ببعضه في الكلام على توكّل النبيّ صلى الله عليه وسلم من تفسير هذه السورة ( الأنفال ) . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ } تقدّم تفسير هذه الجملة في أوّل سورة البقرة وفي تفسير : { وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ } [ البقرة : 45 ] منها ، وفي تفسير آيات أخرى في معناها ، وملخصها أن إقامة الصلاة عبارة عن أدائها مقومة كاملة في صورتها وأركانها الظاهرة من قيام وركوع وسجود وقراءة وذكر ، وفي معناها وروحها الباطنة من خشوع وحضور في مناجاة الرّحمن ، وتدبّر واتعاظ بتلاوة القرآن ، وتقدّم أن هذه الإقامة هي التي يستفيد صاحبها بها ما جعله الله تعالى ثمرة للصلاة من الإنتهاء عن الفحشاء والمنكر وغير ذلك مما يراجع في مواضعه . الصفة الخامسة : قوله تعالى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } أي وينفقون بعض ما رزقهم الله في وجوه : البرّ من زكاة مفروضة لإقامة دولة الإسلام وغير ذلك من النفقات الواجبة والمندوبة للأقربين والمعوزين ومصالح الأمّة . وتقدم تفسيرها في أوّل سورة البقرة وفي مواضع أخرى مع التنبيه إلى كثرة ما ورد في الكتاب العزيز من جعل الزكاة أو النفقة مقارنة للصلاة لأنهما العبادتان اللتان عليهما مدار الإصلاح الروحي والإجتماعي في الملّة . والتعبير بالإنفاق أعم من التعبير بالزكاة كما علمت . { أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات كلّها هم دون سواهم ممن لم يتصف بها المؤمنون إيماناً حقّاً أو حقّ الإيمان الذي لا نقص فيه ، أو حقّ ذلك حقّاً أو حققته حقا ذلك بأن الإيمان حقّ الإيمان هو ما أعقب التصديق الإذعاني فيه أثره من أعمال القلوب والجوارح وبذل المال في سبيل الله عزَّ وجلّ ، وقد جمعت الصفات التي وصفوا بها كلّ ذلك بحيث تتبعها سائر شعب الإيمان ، تقول العرب فلان شاعر حقّاً أو فارس حقّاً لمن نبغ في الشعر ولمن كملت فيه صفات الفروسيّة . روى الطبراني بسند ضعيف يؤثر للعبرة عن الحارث بن مالك الأنصاري ( رضي الله عنه ) أنّه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : " كيف أصبحت يا حارثة ؟ " قال أصبحت مؤمناً حقّاً . قال : " أنظر ماذا تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ " فقال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربّي بارزاً ، وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . فقال : " يا حارثة عرفت فالزم " ثلاثا - وروي عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت ؟ قال الإيمان إيمانان فإن كانت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنّة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن وإنّ كنت تسألني عن قوله تعالى : { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } … فوالله لا أدري أنا منهم أم لا . ثمّ بيّن تعالى جزاء هؤلاء المؤمنين الكملة فقال : { لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ } الدرجات منازل الرفعة ومراقي الكرامة وكونها عند الرّب تعالى وذكره مضافاً إلى ضميرهم تنبيه إلى عظم قدر هذه الدرجات وتكريم لأهلها ، فإن الله تعالى فضل بعض الناس ورفعهم على بعض درجة أو درجات في الدنيا وفي الآخرة وعند الرّب عزَّ وجلّ وهذا الأخير وإن كان يكون في الآخرة فإن وصفه بكونه عند الرّب وبإضافة اسم الرّب إلى أصحاب الدرجات يدل على مزيد رفعة واختصاص . وإذا أردت أن تفقه معنى الدرجات في التفاضل بين الناس فتأمل قوله تعالى بعد بيان تساوي الرجال والنساء في الحقوق : { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } [ البقرة : 228 ] وهي درجة الولاية العامة والخاصّة . وقوله تعالى في فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين : { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 95 - 96 ] وهنا جمع بين الدرجة والدرجات فقيل الدرجة تفضيلهم في الدنيا وقيل منزلتهم عند الله تعالى والدرجات منازلهم في الجنّة . وفي معناه قوله تعالى في تفضيل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله على سقاية الحاج من سورة التوبة : { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } [ التوبة : 20 ] إلخ الآيتين بعدها . وقال تعالى في بيان التفاوت والبعد بين متبعي رضوانه ومتبعي سخطه من سورة آل عمران { هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } [ آل عمران : 163 ] والظاهر أن العندية هنا عندية الحكم أو الجزاء لا المكانة لأنّها محمولة على الفريقين . وقال تعالى في الرسل : { تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } [ البقرة : 253 ] الآية قالوا هذه لنبينا صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى في إبراهيم عقب ذكر محاجته لقومه : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ } [ الأنعام : 83 ] وقال في سياق قصّة يوسف مع أخوته عقب ذكر أخذه لأخيه الشقيق منهم بوجه شرعي : { كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ يوسف : 76 ] . وقال في درجات الدنيا وحدها وهي آخر آية من سورة الأنعام : { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ الأنعام : 165 ] وقال في درجات الدار الآخرة بعد بيان التفاضل في الرزق بين الكفّار مرّيدي الدنيا وحدها والمؤمنين مريدي الآخرة : { ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } [ الإسراء : 21 ] . وجملة القول إن الله خلق البشر متفاوتين في الإستعداد والعقول والأعمال واقتضى ذلك بنظام سننه في خلقه تفضيل بعضهم على بعض درجات في الدنيا وفي الآخرة وفي المكانة عند ربّهم وهذه الأخيرة عليا الدرجات وأفضلها . وقوله تعالى : { وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } معناه ولهم مغفرة من الله لذنوبهم الحقيقية التي سبقت وصولهم إلى درجة الكمال إن كانت كبيرة وما كان من قبيل اللمم ، ولذنوبهم الإضافية التي يحاسبون بها أنفسهم بعد بلوغ الكمال كالغفلة عن ذكر الله حيناً ، وترك الأفضل إلى ما دونه حيناً آخر ، وفوت بعض أعمال البرّ الممكنة أحياناً ، وأمثال ذلك مما يعبّر عنه بحسنات الأبرار سيئات المقرّبين ، ورزق كريم في الجنّة ، والكريم تصف به العرب كلّ شيء حسن في بابه لا قبح فيه ولا شكوى منه .