Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 8, Ayat: 20-23)

Tafsir: Tafsīr al-Manār

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

كانت السورة من أولها إلى هنا في قصّة غزوة بدر الكبرى إلاّ أنّها افتتحت بعد براعة المطلع - وهو السؤال عن الغنائم - بالمقصد من الدين وهو الإيمان وطاعة الله ورسوله ووصف الإيمان الكامل ، وانتقل منها إلى مقدمات الغزوة وما كان من عناية الله فيها بالمؤمنين ، ثمّ انتقل هنا أو فيما قبله إلى نداء المؤمنين المرّة بعد المرّة وتوجيه الأوامر والنواهي إليهم في مقاصد الإسلام والإيمان والإحسان - وينتهي هذا بالآية 29 ثمّ ينتقل من ذلك إلى شؤون الكفّار مع المؤمنين وعداوتهم لهم وللرسول صلى الله عليه وسلم وكيدهم له وعدوانهم عليه ، وفتنة المؤمنين به - ومنه إلى الأمر بقتالهم وحكمته ثمّ يعود الكلام إلى غزوة بدر وما كان فيها من حكم وسنن وأحكام وتشريع ، وهذا يدخل في أوّل الجزء العاشر وهو آية : { وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ } [ الأنفال : 41 ] إلخ . قال تعالى : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } ذكرت هذه الطاعة في الآية الأولى من هذه السورة وأعيدت هنا ليعطف عليها قوله : { وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } أي ولا تتولوا وتعرضوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم والحال أنّكم تسمعون منه كلام الله المصرح بوجوب طاعته وموالاته وأتباعه ونصره ، والمراد بالسماع هنا سماع الفهم والتصديق والإذعان الذي هو شأن المؤمنين الذين دأبهم أن يقولوا { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } [ البقرة : 285 ] والموصوفين بقوله عزَّ وجلّ : { فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } [ الزمر : 17 - 18 ] . ثمّ قرّر هذا المعنى وبيّن مقابله بقوله : { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } [ الأنفال : 21 ] وهم فريقان : الأوّل : الكفّار المعاندون : { مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 46 ] وأمثالهم من الكفّار المعاندين والمقلّدين ، وورد فيهم آيات سيذكر بعضها هنا . الثاني : المنافقون الذين قال تعالى في بعضهم : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً } [ محمد : 16 ] وتقدّم في سورة الأعراف من صفات أهل النار في الدنيا { وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ } [ الأعراف : 179 ] مع آيات أخرى والمراد في هذا كلّه أنهم لا يسمعون سماع تفقه واعتبار يتّبعه الإنتفاع والعمل . ثمّ علل الأمر والنهي بقوله : { إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } الدواب جمع دابة وهي كلّ ما يدب على الأرض قال في سورة النور : { وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ } [ النور : 45 ] الآية وقلما يستعمل هذا اللفظ في الإنسان وحده وإنّما يغلب في الحشرات ودواب الركوب ، فإن كان قديماً فهو هنا يشعر بالإحتقار . والمعنى أن شر ما يدب على الأرض في حكم الله الحق هم الأشرار من البشر " الصم " الذين لا يلقون السمع لمعرفة الحق والإعتبار بالموعظة الحسنة فكانوا بفقد منفعة السمع كالذين فقدوا حاسته " البكم " الذين لا يقولون الحقّ ، كأنّهم فقدوا قوّة النطق ، " الذين لا يعقلون " أي فقدوا فضيلة العقل الذي يميز بين الحق والباطل ، ويفرّق بين الخير والشر ، إذ لو عقلوا لطلبوا ، ولو طلبوا لسمعوا وميزوا ، ولو سمعوا لنطقوا وبينوا ، وتذكروا ، وذكروا كما قال تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [ ق : 37 ] فهم لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى ، بأن خلقوا خداجاً أو طرأت عليهم آفات ذهبت بمشاعرهم الظاهرة والباطنة ، بل هم شرّ من هؤلاء لأن هذه المشاعر والقوى خلقت لهم فأفسدوها على أنفسهم لعدم استعمالها فيما خلقها الله تعالى لأجله في سن التمييز ثمّ التكليف ، فهم كما قال الشاعر : @ خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنّهم رزقوا وما رزقوا @@ وإذا أردت فهم الآية فهما تفصيلياً فأرجع إلى تفسيرنا لقوله تعالى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ } [ الأعراف : 179 ] ولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم في آية الأعراف وآيتي البقرة لأن المقام هنا مقام التعريض بالذين ردّوا دعوة الإسلام ، ولم يهتدوا بسماع آيات القرآن ، { وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ } أي ولو علم الله فيهم إستعداداً للإيمان والهدى ببقية من نور الفطرة ، لم تطفئها مفاسد التربية وسوء القدوة ، لأسمعهم بتوفيقه وعنايته الكتاب والحكمة سماع تفقه وتدبّر ، ولكنّه علم أنّه لا خير فيهم لأنّهم ممن أحاطت بهم خطاياهم وختم على قلوبهم { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } وقد علم أن لا خير فيهم { لَتَوَلَّواْ } عن القبول والإذعان لما فهموا { وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } والحال أنهم معرضون من قبل ذلك بقلوبهم عن قبوله والعمل به - كما هو مدلول الجملة الحالية - كراهة وعناداً للداعي إليه ولأهله ، لا تولياً عارضاً مؤقتاً ، وفرق عظيم بين التولي العارض لصارف مؤقّت وتولي الأعراض والكراهة الذي فقد صاحبه الإستعداد للحق وقبول الخير فقداً تامّاً . ومَنْ اضطرب في فهم الجمع بين التولي والأعراض فقد جهل معنى الجملة الحالية الفارق بينها وبين الحال المفردة كما بينه الإمام عبد القاهر في دلائل الإعجاز ، والآية نص في أنّه تعالى لم يسمعهم أي لم يوفّقهم للسماع النافع لأن الباعث عليه هو ما في الفطرة من نور الحقّ المحبب للنفس في الخير ، وقد فقدوا ذلك بإفسادهم لفطرتهم ، وإطفائهم لنور الإستعداد للحق والخير الذي يذكيه سماع الحكمة والموعظة الحسنة ، فصاروا ممن وصفهم في سورة المطففين المكيّة بقوله : { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ المطففين : 14 ] وقوله في سورة البقرة : { بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 81 ] ووصفهم فيها بقوله : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [ البقرة : 18 ] وضرب المثل لسماعهم بقوله في الآية الأخرى منها : { وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [ البقرة : 171 ] يعني أنّهم كسارحة النعم تسمع صراخ الناعق فترفع رؤوسها ولكنّها لا تفهم له معنى فإذا سكت عادت إلى رعيها كما قال ابن دريد في مقصورته : @ نحن ولا كفران لله كما قد قيل في السارب أخلى فارتعى إذا أحس نبأة ريع وإنّ تطامنت عنه تمادى ولها @@ وفي الآيتين 42 و 43 من سورة يونس ( 10 ) إيئاس النبيّ صلى الله عليه وسلم من أسماع هؤلاء الصم وهداية هؤلاء العمي وقفى على ذلك بقوله تعالى : { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ يونس : 44 ] فأمثال هذه الآيات تحثو التراب في في من يزعم أن الآية تدل على الجبر وعدم إختيار العبد في كفره وإيمانه ، كما أنّها تسجّل الجهل باللغة على من يزعم أن فيها إشكالاً في النظم بجواز تقدير : ولو أسمعهم لعلمه بأن فيهم خيراً لتولوا وهم معرضون عن الإيمان والهدى ، ونقول إن تقديره هذا هو الباطل لأنّه نقيض ما أفادته " لو " من أنّه علم لا خير فيهم فهو لا ينتج إلاّ باطلاً ، وعفا الله عمن صوروا هذا الإشكال الوهمي بالإصطلاح المنطقي الفلسفي وأطالوا في الرّد عليه من تلك الطرق الإصطلاحية الشاغلة عن كتاب الله تعالى . ألم يك خيراً لهم من هذه الحذلقة اللفظية الصارفة عن القرآن توجيه قلب سامعه لمحاسبة نفسه على هذا السماع ودرجة حظّه منه ؟ فإن للسماع درجات باعتبار ما يطالبه الله تعالى به من الإهتداء بكتابه : أسفلها أن يتعمد من يتلى عليه القرآن أن لا يسمعه مبارزة له بالعداوة من أوّل وهلة خوفاً من سلطانه على القلوب أن يغلبهم عليها كالذين قال الله فيهم : { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [ فصلت : 26 ] ويليها من يستمع وهو لا ينوي أن يفهم ويعلم كالمنافقين المشار إليهم في آية سورة القتال وذكرت في هذا السياق - ويليها من يستمع لأجل التماس شبهة للطعن والإعتراض ، كما كان يفعل المعاندون من المشركين وأهل الكتاب ، وكما يفعل في كلّ وقت مرتزقة دعاة النصرانية وغيرهم إذا استمعوا للقرآن أو نظروا فيه - ويليها أن يسمع ليفهم ويعلم ثمّ يحكم للكلام أو عليه . وهذه الدرجات كلّها لغير المؤمنين به والمنصف منهم الفريق الأخير وكم آمن منهم من تأمل وفهم : نظر طبيب إفرنسي معاصر في ترجمة القرآن فرأى أن كلّ ما يتعلق بالطب والمحافظة عن الصحّة منه - كالطهارة والإعتدال وعدم الإسراف - موافق لأحدث المسائل التي استقر عليها رأي الأطباء في هذا العصر ، فرغبة ذلك في تأمله كلّه فأسلم … ونظر ( مستر براون ) وهو ربّان بارج من الإنكليز في ترجمة مستر سايل الإنكليزية له فاستقصى فيه الكلام عن البحار والرياح فظن أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان من أكبر رباني الملاحين فسأل عنه فقيل له إنه لم ير البحر قط وكان مع ذلك أميّاً لم يقرأ كتاباً ، ولا تلقى عن أحد درساً ، ( قال ) فعلمت أن هذا كان بوحي من الله لأنه حقائق لم يعلمها من اختباره بنفسه ، ولا بتلقيه عن غيره من المختبرين ، وقد أسلم وتعلم العربيّة رحمه الله تعالى . وأما المسلمون في هذه البلاد فأكثرهم اليوم يسمعون القارئ يتلو القرآن فلا يستمعون له ولا يشعرون بأنهم في حاجة إلى سماعه ، وأكثر الذين يستمعون له وينصتون يقصدون بذلك التلذذ بتجويده وتوقيع التلاوة على قواعد النغمات ، ومنهم من يقصد بسماعه التبرك فقط ، ومنهم من يحضر الحفاظ لتلاوته عنده في ليالي رمضان لأن ذلك من شعائر أكابر الوجهاء ، وإنّما تكون التلاوة في حجرة البواب أو غيره من الخدم ، وإذا سمعت بعض السامعين للتلاوة يقول : الله الله ، أو غير ذلك من كلمة مفردة أو مركبة أو صوت لا معنى له فإنّما ينطق به إعجاباً بنغمة التالي ، حتى أنّهم لينطقون عند سماعه ببعض الأصوات التي تخرج من أفواههم عند سماع الغناء . دعيت مرة إلى حفلة عرس فإذا أنا بقارئ يتلو بالنغم والتطريب وبعض الحاضرين يهتز وينطق بتلك الحروف المعتادة في مجالس الغناء ويستعيدون بعض الجمل أو الآيات كما يستعيدون المغني على سواء ، وكان القارئ يتلو تلك الوصايا الصادعة من سورة الإسراء وما يتلوها من وصف القرآن وهدايته ومواعظه وتوبيخ المعرضين عنه كقوله تعالى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } [ الإسراء : 41 ] إلى قوله : { وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً * وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } [ الإسراء : 45 - 47 ] . فلما سمعت مكاء أولئك السفهاء وأصواتهم المنكرة عند سماع هذه الحكم الروائع ، والمواعظ الصوادع ، لم أملك نفسي أن صحّت فيهم صيحة مزعجة ووقفت على الكرسي الذي كنت جالساً عليه ووبختهم توبيخاً شديداً مبيناً لهم ما يجب من الأدب والخشوع والخشية عند سماع القرآن ولا سيّما أمثال هذه الآيات ، وتلوّت عليهم قوله تعالى : { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 21 ] فسكنوا وسكتوا إلاّ واحداً منهم أخذته العزّة بالإثمّ ولكنّه صار يتظاهر بأنّه يهتز متخشعاً ويهمهم معتبراً متدبّراً . وليعلم القارئ أن لفهم الكلام نفسه درجات فمن الناس من لا يفهم من الكلام إلاّ مدلولات الألفاظ على ما فيها من إجمال وإبهام ، بحسب ما تفسّر به المفردات في معاجم اللّغة ، أو مع المركبات بحسب قواعد النحو والبيان ، ككون لفظي الصم والبكم هنا من مجاز الإستعارة مثلاً ، وهذا الفهم قاصر لا يتسع عقل صاحبه للتدبر والتذكر المطلوب ، ومنهم من يكون فهمه تفصيلياً ينتقل من الكلّيات إلى الجزئيات ، ويعدو المفهومات الذهنية إلى الماصدقات ، ولكنّه يجعلها بمعزل عن نفسه ، ويتصوّر أن الكلام كله لغيره وفي غيره ، بأن يقول هذه الآية نزلت في الكافرين أو المنافقين ، لا في أمثالي من المؤمنين ، وإن كان متصفاً بما تنهى عنه وتتوعد عليه من صفاتهم وأعمالهم ، فصاحبها يصدّق عليه بوجه ما أنه من الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، وإنّما الدرجة العليا للسماع أن تسمع فتفقه وتعقل وتتدبّر فتعتبر وتعمل ، حتى لا تقول يوم القيامة : { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } [ الملك : 10 ] .