Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 59, Ayat: 11-24)
Tafsir: Madārik at-tanzīl wa-ḥaqāʾiq at-taʾwīl
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ } أي ألم تر يا محمد إلى عبد الله بن أبيّ وأشياعه { يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني بني النضير والمراد إخوة الكفر { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } من دياركم { لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } رُوي أن ابن أبيّ وأصحابه دسوا إلى بني النضير حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم { وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } في قتالكم { أَحَداً أَبَداً } من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة { وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في مواعيدهم لليهود ، وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب . { لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } إنما قال { وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم على الفرض والتقدير كقوله { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] وكما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون . والمعنى ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك أي يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم ، أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين { لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً } أي أشد مرهوبية . مصدر رهب المبني للمفعول . وقوله { فِى صُدُورِهِمْ } دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم { مّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته { لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } لا يقدرون على مقاتلتكم { جَمِيعاً } مجتمعين يعني اليهود والمنافقين { إِلا } كائنين { فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ } بالخنادق والدروب { أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } { جدار } مكي وأبو عمرو { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة لأن الشجاع يجبن عند محاربة الله ورسوله { تَحْسَبُهُمْ } أي اليهود والمنافقين { جَمِيعاً } مجتمعين ذوي ألفة واتحاد { وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } متفرقة لا ألفة بينها يعني أن بينهم إحناً وعداوات فلا يتعاضدون حق التعاضد ، وهذا تحسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم { ذٰلِكَ } التفرق { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم . { كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي مثلهم كمثل أهل بدر فحذف المبتدأ { قَرِيبًا } أي استقروا من قبلهم زمناً قريباً { ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم كلأ وبيل وخيم سيء العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار { كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر ، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة . وقيل : المراد استغواؤه قريشاً يوم بدر وقوله لهم { لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } إلى قوله { إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ } [ الأنفال : 48 ] { فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا } عاقبة الإنسان الكافر والشيطان { أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } { عَـٰقِبَتَهُمَا } خبر « كان » مقدم و « أن » مع اسمها وخبرها أي في النار في موضع الرفع على الاسم و { خَـٰلِدِينَ } حال { وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في أوامره فلا تخالفوها { وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ } نكر النفس تقليلاً للأنفس النواظر فيما قدّمن للآخرة { مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } يعني يوم القيامة سماه باليوم الذي يلي يومك تقريباً له أو عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد . وتنكيره لتعظيم أمره أي لغد لا يعرف كنهه لعظمه . وعن مالك بن دينار : مكتوب على باب الجنة وجدنا ما عملنا ربحنا ما قدما خسرنا ما خلفنا . { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو اتقوا الله في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل ، واتقوا الله في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد وهو { إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وفيه تحريض على المراقبة لأن من علم وقت فعله أن الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ } تركوا ذكر الله عز وجل وما أمرهم به { فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ } فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق { أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } الخارجون عن طاعة الله . { لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } هذا تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار ، والبون العظيم بين أصحابهما وأن الفوز العظيم مع أصحاب الجنة والعذاب الأليم مع أصحاب النار ، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه كما تقول لمن يعق أباه « هو أبوك » تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه بذلك على حق الأبوّة الذي يقتضي البر والتعطف . وقد استدلت الشافعية بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر ، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالاستيلاء ، وقد أجبنا عن مثل هذا في أصول الفقه والكافي . { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أي من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع أي لخضع وتطأطأ وتصدع أي تشقق من خشية الله ، وجائز أن يكون هذا تمثيلاً كما في قوله { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ } [ الأحزاب : 72 ] ويدل عليه قوله { وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وهي إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل ، والمراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره . ثم رد على من أشرك وشبهه بخلقه فقال { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي السر والعلانية أو الدنيا والآخرة أو المعدوم والموجود { هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ هُوَ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ } الذي لا يزول ملكه { ٱلْقُدُّوسُ } المنزه عن القبائح وفي تسبيح الملائكة : سبوح قدوس رب الملائكة والروح { ٱلسَّلَـٰمُ } الذي سلم الخلق من ظلمه عن الزجاج { ٱلْمُؤْمِنُ } واهب الأمن . وعن الزجاج : الذي آمن الخلق من ظلمه أو المؤمن من عذابه من أطاعه { ٱلْمُهَيْمِنُ } الرقيب على كل شيء الحافظ له مفيعل من الأمن إلا أن همزته قلبت هاء { ٱلْعَزِيزُ } الغالب غير المغلوب { ٱلْجَبَّارُ } العالي العظيم الذي يذل له من دونه أو العظيم الشأن في القدرة والسلطان أو القهار ذو الجبروت { ٱلْمُتَكَبّرُ } البليغ الكبرياء والعظمة { سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } نزه ذاته عما يصفه به المشركون { هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ } المقدر لما يوجده { ٱلْبَارِىء } الموجد { ٱلْمُصَوّرُ } في الأرحام { لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } الدالة على الصفات العلا { يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } ختم السورة بما بدأ به . عن أبي هريرة رضي الله عنه سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاسم الأعظم : فقال " عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته " فأعدت عليه فأعاد عليّ فأعدت عليه فأعاد عليّ .