Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 17, Ayat: 9-15)
Tafsir: al-Baḥr al-muḥīṭ
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
لما ذكر تعالى من اختصه بالإسراء وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن آتاه التوراة وهو موسى عليه السلام وأنها هدى لبني إسرائيل ، وذكر ما قضى عليهم فيها من التسليط عليهم بذنوبهم ، كان ذلك رادعاً من عقل عن معاصي الله فذكر ما شرف الله به رسوله من القرآن الناسخ لحكم التوراة وكل كتاب إلهي ، وأنه يهدي للطريقة أو الحالة التي هي أقوم . وقال الضحاك والكلبي والفراء { التي هي أقوم } هي شهادة التوحيد . وقال مقاتل : للأوامر والنواهي و { أقوم } هنا أفعل التفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ، والذي يظهر من حيث المعنى أن { أقوم } هنا لا يراد بها التفضيل إذ لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها ، وفضلت هذه عليها وإنما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال : { وذلك دين القيمة } [ البينة : 5 ] و { فيها كتب قيمة } [ البينة : 3 ] أي مستقيمة الطريقة ، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين . وقال الزمخشري : { التي هي أقوم } للحالة التي هي أقوم الحالات وأشدّها أو للملة أو للطريقة ، وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف لما في إبهام الموصوف لحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه انتهى . { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات } قيد في الإيمان الكامل إذ العمل هو كمال الإيمان ، نبه على الحالة الكاملة ليتحلى بها المؤمن ، والمؤمن المفرط في عمله له بإيمانه حظ في عمل الصالحات والأجر الكبير الجنة . وقال الزمخشري : فإن قلت كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة ؟ قلت : كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي ، وإما مشرك ، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك انتهى . وهذا مكابرة بل وقع في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنين هنات وسقطات بعضها مذكور في القرآن ، وبعضها مذكور في الحديث الصحيح الثابت . { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة } عطف على قوله : { أن لهم أجراً كبيراً } بشروا بفوزهم بالجنة وبكينونة العذاب الأليم لأعدائهم الكفار ، إذ في علم المؤمنين بذلك وتبشيرهم به مسرة لهم ، فهما بشارتان وفيه وعيد للكفار . وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد ويخبر بأن الذين لا يؤمنون انتهى . فلا يكون إذ ذاك داخلاً تحت البشارة . وفي قوله : { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة } دليل على أن من آمن بالآخرة لا يعدّ له عذاب أليم ، وأنه ليس عمل الصالحات شرطاً في نجاته من العذاب . وقرأ الجمهور { ويبشر } مشدّداً مضارع بشر المشدّد . وقرأ عبد الله وطلحة وابن وثاب والإخوان { ويبشر } مضارع بشر المخفف ومعنى { أعتدنا } أعددنا وهيأنا ، وهذه الآية جاءت عقب ذكر أحوال اليهود ، واندرجوا فيمن لا يؤمن بالآخرة لأن أكثرهم لا يقول بالثواب والعقاب الجسماني وبعضهم قال : { لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } [ البقرة : 80 ] فلم يؤمنوا بالآخرة حقيقة الإيمان بها . { ويدع الإنسان } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : نزلت ذامّة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في أوقات الغضب والضجر ، ومناسبتها لما قبلها أن بعض من لا يؤمن بالآخرة كان يدعو على نفسه بتعجيل ما وعد به من الشر في الآخرة ، كقول النضر : { فأمطر علينا حجارةً } [ الأنفال : 32 ] الآية . وكتب { ويدع } بغير واو على حسب السمع والإنسان هنا ليس واحداً معيناً ، والمعنى أن في طباع الإنسان أنه إذا ضجر وغضب دعا على نفسه وأهله وماله بالشر أن يصيبه كما يدعو بالخير أن يصيبه ، ثم ذكر تعالى أن ذلك من عدم تثبته وقلة صبره . وعن سلمان الفارسي وابن عباس : أشار به إلى آدم لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر ، فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقه أعجبته نفسه فذهب يمشي مستعجلاً فلم يقدر ، أو المعنى ذو عجلة موروثة من أبيكم انتهى . وهذا القول تنبو عنه ألفاظ الآية . وقالت فرقة : هذه الآية ذم لقريش الذين قالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } [ الأنفال : 32 ] الآية . وكان الأولى أن يقولوا : فاهدنا إليه وارحمنا . وقالت فرقة : هي معاتبة للناس على أنهم إذا نالهم شر وضر دعوا وألحوا في الدعاء واستعجلوا الفرج ، مثل الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير انتهى . والباء في { بالشر } و { بالخير } على هذا بمعنى في ، والمدعوّ به ليس الشر ولا الخير ، ويراد على هذا أن تكون حالتاه في الشر والخير متساويتين في الدعاء والتضرّع لله والرغبة والذكر ، وينبو عن هذا المعنى قوله : { دعاءه } إذ هو مصدر تشبيهي يقتضي وجوده ، وفي هذا القول شبه { دعاءه } في حالة الشر بدعاء مقصود كان ينبغي أن يوجد في حالة الخير . وقيل : المعنى { ويدع الإنسان } في طلب المحرم كما يدعو في طلب المباح { وجعلنا الليل والنهار آيتين } لما ذكر تعالى القرآن وأنه هاد إلى الطريقة المستقيمة ذكر ما أنعم به مما لم يكمل الانتفاع إلاّ به ، وما دل على توحيده من عجائب العالم العلوي ، وأيضاً لما ذكر عجلة الإنسان وانتقاله من حال إلى حال ذكر أن كل هذا العالم كذلك في الانتقال لا يثبت على حال ، فنور عقب ظلمة وبالعكس ، وازدياد نور وانتقاص . والظاهر أن { الليل والنهار } مفعول أول لجعل بمعنى صير ، و { آيتين } ثاني المفعولين ويكونان في أنفسهما آيتين لأنهما علامتان للنظر والعبرة ، وتكون الإضافة في { آية الليل وآية النهار } للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود ، أي { فمحونا } الآية التي هي الليل ، وجعلنا الآية التي هي النار مبصرة . وقيل : هو على حذف مضاف فقدره بعضهم وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين ، وقدّره بعضهم و : جعلنا ذوي الليل والنهار أي صاحبي الليل والنهار ، وعلى كلا التقديرين يراد به الشمس والقمر ، ويظهر أن { آيتين } هو المفعول الأول ، و { الليل والنهار } ظرفان في موضع المفعول الثاني ، أي وجعلنا في الليل والنهار آيتين . وقال الكرماني : ليس جعل هنا بمعنى صير لأن ذلك يقتضي حالة تقدّمت نقل الشيء عنها إلى حالة أخرى ، ولا بمعنى سمى وحكم ، والآية فيها إقبال كل واحد منهما وإدباره من حيث لا يعلم ، ونقصان أحدهما بزيادة الآخر ، وضوء النهار وظلمة الليل { فمحونا آية الليل } إذا قلنا أنّ الليل والنهار هما المجعولان آيتين فمحو آية الليل عبارة عن السواد الذي فيه ، بل خلق أسود أول حاله ولا تقتضي الفاء تعقيباً وهذا كما يقول بنيت داري فبدأت بالأس . وإذا قلنا أن الآيتين هما الشمس والقمر ، فقيل : محو القمر كونه لم يجعل له نوراً . وقيل : محوه طلوعه صغيراً ثم ينمو ثم ينقص حتى يستر . وقيل : محوه نقصه عما كان خلق عليه من الإضاءة ، وأنه جعل نور الشمس سبعين جزءاً ونور القمر كذلك ، فمحا من نور القمر حتى صار على جزء واحد ، وجعل ما محا منه زائداً في نور الشمس ، وهذا مروي عن عليّ وابن عباس . وقال ابن عيسى : جعلناها لا تبصر المرئيات فيها كما لا يبصر ما محي من الكتاب . قال : وهذا من البلاغة الحسنة جداً . وقال الزمخشري : { فمحونا آية الليل } أي جعلنا الليل ممحواً لضوء مطموسه ، مظلماً لا يستبان منه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ، وجعلنا النهار مبصراً أي يبصر فيه الأشياء وتستبان ، أو { فمحونا آية الليل } التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية بينة ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء انتهى . ونسب الإبصار إلى { آية النهار } على سبيل المجاز كما تقول : ليل قائم ونائم ، أي يقام فيه وينام فيه . فالمعنى يبصر فيها . وقيل : معنى { مبصرة } مضيئة . وقيل : هو من باب أفعل ، والمراد به غير من أسند أفعل إليه كقولهم : أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء ، وأضعف إذا كان دوابه ضعافاً فأبصرت الآية إذا كان أصحابها بصراء . وقرأ قتادة وعليّ بن الحسين { مبصرة } بفتح الميم ، والصاد وهو مصدر أقيم مقام الاسم ، وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كقولهم : أرض مسبعة ومكان مضبة ، وعلل المحو والإبصار بابتغاء الفضل وعلم عدد السنين والحساب ، وولى التعليل بالابتغاء ما وليه من آية النهار وتأخر التعليل بالعلم عن آية الليل . وجاء في قوله : { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ، ولتبتغوا من فضله } [ القصص : 73 ] البداءة بتعليل المتقدم ثم تعليل المتأخر بالعلة المتأخرة ، وهما طريقان تقدم الكلام عليهما . ومعنى { لتبتغوا } لتتوصلوا إلى استبانة أعمالكم وتصرفكم في معايشكم { والحساب } للشهور والأيام والساعات ، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة آية الليل لا من جهة آية النهار { وكل شيء } مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم { فصلناه } بيناه تبيينا غير ملتبس ، والظاهر أن نصب { وكل شيء } على الاشتغال ، وكان ذلك أرجح من الرفع لسبق الجملة الفعلية في قوله : { وجعلنا الليل والنهار } وأبعد من ذهب إلى أن { وكل شيء } معطوف على قوله : { والحساب } والطائر . قال ابن عباس : ما قدّر له وعليه ، وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف إذ كان من عادتها التيمُّن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثر ذلك حتى فعلته بالظباء وحيوان الفلاة ، وسمي ذلك كله تطيراً . وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر ، فأخبرهم الله تعالى في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر فقد سبق به القضاء وألزم حظه وعمله ومكسبه في عنقه ، فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان بالطائر قاله مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير ، وقولهم في الأمور على الطائر الميمون وبأسعد طائر ، ومنه ما طار في المحاصة والسهم ، ومنه فطار لنا من القادمين عثمان بن مظعون أي كان ذلك حظنا . وعن ابن عباس : { طائره } عمله ، وعن السدّي كتابه الذي يطير إليه . وعن أبي عبيدة : الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه البخت . وعن الحسن : يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك ، وخص العنق لأنه محل الزينة والشين فإن كان خيراً زانه كما يزين الطوق والحلي ، وإن كان شراً شأنه كالغل في الرقبة . وقرأ مجاهد والحسن وأبو رجاء طيره . وقرىء : { في عنقه } بسكون النون . وقرأ الجمهور ومنهم أبو جعفر : { ونخرج } بنون مضارع أخرج . { كتاباً } بالنصب . وعن أبي جعفر أيضاً ويخرج بالياء مبنياً للمفعول { كتاباً } أي ويخرج الطائر كتاباً . وعنه أيضاً كتاب بالرفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله . وقرأ الحسن وابن محيصن ومجاهد : ويخرج بفتح الياء وضم الراء أي طائره كتاباً إلا الحسن فقرأ : كتاب على أنه فاعل يخرج . وقرأت فرقة : ويخرج بضم الياء وكسر الراء أي ويخرج الله . وقرأ الجمهور { يلقاه } بفتح الياء وسكون اللام . وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والحجدري والحسن بخلاف عنه { يلقاه } بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف . { منشوراً } غير مطوي ليمكنه قراءته ، و { يلقاه } و { منشوراً } صفتان لكتاب ، ويجوز أن يكون { منشوراً } حالاً من مفعول يلقاه { اقرأ كتابك } معمول لقول محذوف أي يقال له : { اقرأ كتابك } . وقال قتادة : يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئاً . وقال الزمخشري وغيره . و { بنفسك } فاعل { كفى } انتهى . وهذا مذهب الجمهور والباء زائدة على سبيل الجواز لا اللزوم ، ويدل عليه أنه إذا حذفت ارتفع ذلك الاسم بكفى . قال الشاعر : @ كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً @@ وقال آخر : @ ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا @@ وقيل : فاعل { كفى } ضمير يعود على الاكتفاء ، أي كفى هو أي الاكتفاء بنفسك . وقيل : { كفى } اسم فعل بمعنى اكتف ، والفاعل مضمر يعود على المخاطب ، وعلى هذين القولين لا تكون الباء زائدة . وإذا فرعنا على قول الجمهور أن { بنفسك } هو فاعل { كفى } فكان القياس أن تدخل تاء التأنيث لتأنيث الفاعل ، فكان يكون التركيب كفت بنفسك كما تلحق مع زيادة من في الفاعل إذا كان مؤنثاً ، كقوله تعالى : { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } [ الأنبياء : 6 ] وقوله : { وما تأتيهم من آية } [ الأنعام : 4 ] ولا نحفظه جاء التأنيث في كفى إذا كان الفاعل مؤنثاً مجروراً بالباء ، والظاهر أن المراد { بنفسك } ذاتك أي { كفى } بك . وقال مقاتل : يريد بنفسه جوارحه تشهد عليه إذا أنكر . وقال أبو عبيدة أي ما أشد كفاية ما علمت بما علمت . { واليوم } منصوب بكفى و { عليك } متعلق بحسيباً . ومعنى { حسيباً } حاكماً عليك بعملك قاله الحسن . قال : يا ابن آدم لقد أنصفك الله وجعلك حسيب نفسك . وقال الكلبي : محاسباً يعني فعيلاً بمعنى مفاعل كجليس وخليط . وقيل : حاسباً كضريب القداح أي ضاربها ، وصريم بمعنى صارم يعني أنه بناء مبالغة كرحيم وحفيظ ، وذكر { حسيباً } لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير ، لأن الغالب أن هذه الأمور يتولاها الرجل ، وكأنه قيل : كفى بنفسك رجلاً حسيباً . وقال الأنباري : وإنما قال { حسيباً } والنفس مؤنثة لأنه يعني بالنفس الشخص ، أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس ، فشبهت بالسماء والأرض قال تعالى : { السماء منفطر به } [ المزمل : 18 ] . وقال الشاعر : @ ولا أرض أبقل ابقالها @@ { من اهتدى } الآية قالت فرقة : نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسود ، وفي الضلال إلى الوليد بن المغيرة . وقيل : نزلت في الوليد هذا قال : يا أهل مكة اكفروا بمحمد وإثمكم عليّ ، وتقدم تفسير { ولا تزر وازرة وزر أخرى } في آخر الأنعام { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } انتفاء التعذيب ببعثة الرسول عليه السلام ، والمعنى حتى يبعث رسولاً فيكذب ولا يؤمن بما جاء به من عند الله ، وانتفاء التعذيب أعم من أن يكون في الدنيا بالهلاك وغيره من العذاب أو في الآخرة بالنار فهو يشملهما ، ويدل على الشمول قوله في الهلاك في الدنيا بعد هذه الآية { وإذا أردنا } وفي الآخرة { فحق عليها القول فدمرناها تدميراً } وآي كثيرة نص فيها على الهلاك في الدنيا بأنواع من العذاب حين كذبت الرسل . وقوله في عذاب الآخرة كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها : ألم يأتكم نذير ؟ وقالوا : بلى قد جاءنا نذير ، وكلما تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين . وقوله : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } [ فاطر : 24 ] وذهب الجمهور إلى أن هذا في حكم الدنيا ، أي إن الله لا يهلك أمّة بعذاب إلا من بعد الرسالة إليهم والإنذار . قال الزمخشري : فإن قلت الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسول لأن معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه ، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم ركونهم لذلك الإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان . قلت : بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة لئلا يقولوا كنا غافلين ، فلولا بعثت إلينا رسولاً ينبهنا على النظر في أدلة العقل انتهى . وقال مقاتل : المعنى وما كنا مستأصلين في الدنيا لما اقتضته الحكمة الإلهية حتى يبعث رسولاً إقامة للحجة عليهم وقطعاً للعذر عنهم ، كما فعلنا بعاد وثمود والمؤتفكات وغيرها .