Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 78, Ayat: 1-20)
Tafsir: al-Baḥr al-muḥīṭ
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قال : { عم يتساءلون } . وقرأ الجمهور : { عم } ؛ وعبد الله وأبيّ وعكرمة وعيسى : عما بالألف ، وهو أصل عم ، والأكثر حذف الألف من ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وأضيف إليها . ومن إثبات الألف قوله : @ على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد @@ وقرأ الضحاك وابن كثير في رواية : عمه بهاء السكت ، أجرى الوصل مجرى الوقف ، لأن الأكثر في الوقف على ما الاستفهامية هو بإلحاق هاء السكت ، إلا إذا أضيفت إليها فلا بد من الهاء في الوقف ، نحو : بحى مه . والاستفهام عن هذا فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب ، كما تقول : أي رجل زيد ؟ وزيد ما زيد ، كأنه لما كان عديم النظير أو قليله خفيّ عليك جنسه فأخذت تستفهم عنه . ثم جرد العبارة عن تفخيم الشيء ، فجاء في القرآن ، والضمير في { يتساءلون } لأهل مكة . ثم أخبر تعالى أنهم { يتساءلون عن النبإ العظيم } ، وهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من القرآن . وقيل : الضمير لجميع العالم ، فيكون الاختلاف تصديق المؤمن وتكذيب الكافر . وقيل : المتساءل فيه البعث ، والاختلاف فيه عم متعلق بيتساءلون . ومن قرأ عمه بالهاء في الوصل فقد ذكرنا أنه يكون أجرى الوصل مجرى الوقف ، وعن النبأ متعلق بمحذوف ، أي يتساءلون عن النبأ . وأجاز الزمخشري أن يكون وقف على عمه ، ثم ابتدأ بيتسألون عن النبأ العظيم على أن يضمر لعمه يتساءلون ، وحذفت لدلالة ما بعدها عليه ، كشيء مبهم ثم يفسر . وقال ابن عطية : قال أكثر النحاة قوله { عن النبإ العظيم } متعلق بيتساءلون ، الظاهر كأنه قال : لم يتساءلون عن النبأ العظيم ؟ وقال الزجاج : الكلام تام في قوله { عم يتساءلون } ، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول : يتساءلون عن النبأ ، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي يقتضيه الحال ، والمجاورة اقتضاء بالحجة وإسراعاً إلى موضع قطعهم . وقرأ عبد الله وابن جبير : يسألون بغير تاء وشد السين ، وأصله يتساءلون بتاء الخطاب ، فأدغم التاء الثانية في السين . { كلا } : ردع للمتسائلين . وقرأ الجمهور : بياء الغيبة فيهما . وعن الضحاك : الأول بالتاء على الخطاب ، والثاني بالياء على الغيبة . وهذا التكرار توكيد في الوعيد وحذف ما يتعلق به العلم على سبيل التهويل ، أي سيعلمون ما يحل بهم . ثم قررهم تعالى على النظر في آياته الباهرة وغرائب مخلوقاته التي ابتدعها من العدم الصرف ، وأن النظر في ذلك يفضي إلى الإيمان بما جاءت به الرسل من البعث والجزاء ، فقال : { ألم نجعل الأرض مهاداً } ، فبدأ بما هم دائماً يباشرونه ، والمهاد : الفراش الموطأ . وقرأ الجمهور : { مهاداً } ؛ ومجاهد وعيسى وبعض الكوفيين : مهداً ، بفتح الميم وسكون الهاء ، ولم ينسب ابن عطية عيسى في هذه القراءة . وقال ابن خالويه : مهداً على التوحيد ، مجاهداً وعيسى الهمداني وهو الحوفي ، فاحتمل أن يكون قول ابن عطية وبعض الكوفيين كناية عن عيسى الهمداني . وإذا أطلقوا عيسى ، أو قالوا عيسى البصرة ، فهو عيسى بن عمر الثقفي . وتقدم الكلام في المهاد في البقرة في أول حزب ، { واذكروا الله } [ البقرة : 203 ] { والجبال أوتاداً } : أي ثبتنا الأرض بالجبال ، كما ثبت البيت بالأوتاد . قال الأفوه : @ والبيت لا ينبني إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد @@ { أزواجاً } : أي أنواعاً من اللون والصورة واللسان . وقال الزجاج وغيره : مزدوجين ، ذكراً وأنثى . { سباتاً } : سكوناً وراحة . سبت الرجل : استراح وترك الشغل ، والسبات علة معروفة يفرط على الإنسان السكوت حتى يصير قاتلاً ، والنوم شبيه به إلا في الضرر . وقال قتادة : النائم مسبوت لا يعقل ، كأنه ميت . { لباساً } : أي يستترون به عن العيون فيما لا يحبون أن يظهر عليه . { وجعلنا النهار } : قابل النوم بالنهار ، إذ فيه اليقظة . { معاشاً } : وقت عيش ، وهو الحياة تتصرفون فيه في حوائجكم . { سبعاً } : أي سموات ، { شداداً } : محكمة الخلق قوية لا تتأثر بمرور الأعصار إلا إذا أراد الله عز وجل . وقال الشاعر : @ فلما جئته أعلى محلي وأجلسني على السبع الشداد @@ { سراجاً } : هو الشمس ، { وهاجاً } : حاراً مضطرم الاتقاد . وقال عبد الله بن عمرو . الشمس في السماء الرابعة ، إلينا ظهرها ، ولهيبها يضطرم علواً . { من المعصرات } ، قال أبي والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وقتادة ومقاتل : هي السموات . وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع والضحاك : السحاب القاطرة ، مأخوذ من العصر ، لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء . وقيل : السحاب التي فيها الماء ولم تمطر . وقال ابن كيسان : سميت بذلك من حيث تغيث ، فهي من العصرة ، ومنه قوله : { وفيه يعصرون } [ يوسف : 49 ] . والعاصر : المغيث ، فهو ثلاثي ؛ وجاء هنا من أعصر : أي دخلت في حين العصر ، فحان لها أن تعصر ، وأفعل للدخول في الشيء . وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وقتادة : الرياح لأنها تعصر السحاب ، جعل الإنزال منها لما كانت سبباً فيه . وقرأ ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس أخوه وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة : بالمعصرات ، بالباء بدل من . قال ابن عطية : فهذا يقوي أنه أراد الرياح . وقال الزمخشري : فيه وجهان : أن يراد بالرياح التي حان لها أن تعصر السحاب ، وأن يراد السحاب ، لأنه إذا كان الأنزال منها فهو بها ، كما تقول : أعطى من يده درهماً ، وأعطى بيده درهماً . { ثجاجاً } : منصباً بكثرة ، ومنه أفضل الحج العج والثج : أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى . وقرأ الأعرج : ثجاحاً بالحاء : آخراً ، ومساجح الماء : مصابه ، والماء ينثجح في الوادي . { حباً ونباتاً } : بدأ بالحب لأنه الذي يتقوت به ، كالحنطة والشعير ، وثنى بالنبات فشمل كل ما ينبت من شجر وحشيش ودخل فيه الحب . { ألفافاً } : ملتفة ، قال الزمخشري : ولا واحد له ، كالأوزاع والأخياف . وقيل : الواحد لف : قال صاحب الإقليد : أنشدني الحسن بن علي الطوسي : @ جنة لف وعيش مغدق وندامى كلهم بيض زهر @@ ولو قيل : هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولاً وجيهاً . انتهى . ولا حاجة إلى هذا القول ولا إلى وجاهته ، فقد ذكر في المفردات أن مفرده لف بكسر اللام ، وأنه قول جمهور أهل اللغة . { إن يوم الفصل } : هو يوم القيامة يفصل فيه بين الحق والباطل ، { كان ميقاتاً } : أي في تقدير الله وحكمه تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده أو حداً للخلائق ينتهون إليه . { يوم ينفخ في الصور } : بدل من يوم الفصل . قال الزمخشري : أو عطف بيان ، وتقدم الكلام في الصور . وقرأ أبو عياض : في الصور بفتح الواو جمع صورة ، أي يرد الله الأرواح إلى الأبدان ؛ والجمهور : بسكون الواو . و { فتأتون } من القبور إلى الموقف أمماً ، كل أمة بإمامها . وقيل : جماعات مختلفة . وذكر الزمخشري حديثاً في كيفيات قبيحة لعشرة أصناف يخلقون عليها ، وسبب خلقه من خلق على تلك الكيفية الله أعلم بصحته . وقرأ الكوفيون : { وفتحت } : خف ؛ والجمهور : بالتشديد ، { فكانت أبواباً } تنشق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدران . وقيل : ينقطع قطعاً صغاراً حتى تكون كالألواح ، الأبواب المعهودة . وقال الزمخشري : { فتحت … فكانت أبواباً } : أي كثرت أبوابها لنزول الملائكة ، كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة ، كقوله : { وفجرنا الأرض عيوناً } [ القمر : 12 ] كأن كلها عيون تنفجر . وقيل : الأبواب : الطرق والمسالك ، أي تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقاً لا يسدها شيء . { فكانت سراباً } : أي تصير شيئاً كلا شيء لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها . انتهى . وقال ابن عطية : عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منبثاً ، ولم يرد أن الجبال تشبه الماء على بعد من الناظر إليها . وقال الواحدي : على حذف مضاف ، أي ذات أبواب .