Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 51, Ayat: 1-60)

Tafsir: Ġarāʾib al-Qurʾān wa-raġāʾib al-furqān

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

القراءات : { والذاريات ذرواً } بإدغام التاء في الذال : حمزة وأبو عمرو { ومثل ما } بالضم : حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص . الباقون : { مثل } بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن ، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم { سلم } بكسر السين وسكون اللام : حمزة علي وخلف والمفضل { والصعقة } بسكون العين للمرة : علي { وقوم نوح } بالجر : أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف : { ذرواً } ط { وقراً } ه لا { يسراً } ه لا { أمراً } ه ط { لصادق } ه لا { لواقع } ه { الحبك } ه لا { مختلف } ه لا { أفك } ه ط { الخراصون } ه لا { ساهون } ه لا لأن { يسألون } صلة بعد صلة ، { الدين } ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا { يفتنون } ه { فتنتكم } ط { تستعجلون } ه { وعيون } ه لا { ربهم } ط { محسنين } ه ط { يهجعون } ه { يستغفرون } ه { والمحروم } ه { للموقنين } ه ط للعطف { أنفسكم } ط { تبصرون } ه { توعدون } ه { تنطقون } ه { المكرمين } ه م لأن عامل " إذ " محذوف وهو " اذكر " ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان { سلاماً } ط { سلام } ج { لحق } المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم { منكرون } ه { سمين } ه لا للعطف { تأكلون } ه للآية مع العطف { خيفة } ط { لا تخف } ه { عليم } ه { عقيم } ه { كذلك } لا للتعلق بما بعده { ربك } ط { العليم } ه { المرسلون } ه { مجرمين } ه { طين } ه { للمفسرين } ه { المؤمنين } ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى { المسلمين } ه ط كذلك { الأليم } ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله { وفي الأرض آيات } { مبين } ه { مجنون } ه { مليم } ه كما مر { العقيم } ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته { كالرميم } ه { حين } ه { ينظرون } ه { منتصرين } ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف { قبل } ج { فاسقين } ه { لموسعون } ه { الماهدون } ه { تذكرون } ه { إلى الله } ط { مبين } ه للآية مع العطف { آخر } ط { مبين } ه { أو مجنون } ه { أتواصوا به } ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً { طاغون } ه { بملوم } ه لا للآية مع اتفاق الجملتين { المؤمنين } ه { ليعبدون } ه { يطعمون } ه { المتين } ه { يستعجلون } ه { يوعدون } ه . التفسير : لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر ، ولهذا سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله { نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار } [ ق : 45 ] لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك . عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر : سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي . فقال ابن الكواء فقال : ما الذاريات ؟ قال : الرياح . وقد مر في الكهف في قوله { تذروه الرياح } [ الآية : 45 ] قال : فالحاملات وقراً ؟ قال رضي الله عنه : السحاب لأنها تحمل المطر . وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد . قال : فالجاريات يسراً ؟ قال رضي الله عنه : الفلك والمراد جريان اليسر . قال : فالمقسمات أمراً ؟ قال رضي الله عنه : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها ، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال . ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه تعالى أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر . ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر . وقيل : إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً ، ثم تنشىء السحاب وتحمله . ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب , وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو ، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل ، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر . وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله تعالى . وقيل : المقسمات الكواكب السبعة . وجواب القسم { إن ما توعدون } و " ما " مصدرية أو موصولة { لصادق } في نفسه كما يقال " خبر صادق " أو " ذو صدق " كعيشة راضية . ثم صرح بالموعود قائلاً { وإن الدين } أي الجزاء { لواقع } أي حاصل . وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم ، والحبك الطرائق كطرائق الرمل ، والماء إذا ضربته الريح ويقال : إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك ، وقال الحسن : حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي . وقيل : حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق " ما أحسن حبكه " . وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق ، قال الضحاك : قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون ، وللقرآن مثل ذلك ، وعن قتادة : أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر . والضمير في { يؤفك عنه } للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية . ويمكن أن يقال : يصرف عنه من صرف في سابق علم الله ، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق ، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد ، مغمور في الجهل والعناد . وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى { قول مختلف } ويكون " عن " كما قوله @ ينهون عن أكل وعن شرب @@ أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف . ثم دعا عليهم بقوله { قتل الخرّاصون } أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً . ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان . وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله { قتل الإنسان ما أكفره } والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به { أيان يوم الدين } أي متى وقوعه ؟ ثم أجاب بقوله { يوم هم } أي يقع في ذلك اليوم . ومعنى { يفتنون } يحرقون ويعذبون . ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً { ذوقوا } إلى آخره . وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال { إن المتقين في جنات وعيون } أي في جنات فيه عيون حال كونهم { آخذين ما آتاهم ربهم } قال جار الله : قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية . وقال غيره : أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له . وقيل : الأخذ بمعنى التملك يقال : بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم . قال : إن فيض الله تعالى لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له ، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية ، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته . وقوله { ما آتاهم } على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ونادى } [ الأعراف : 38 ] { وسيق } [ الزمر : 72 ] وقال أهل العرفان : ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد . ثم فسر إحسانهم بقوله { كانوا قليلاً من الليل يهجعون } " ما " صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً . وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة . وارتفع " ما " مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه . وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير ، ومن جهة لفظ القلة ، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار ، ومن جهة ما المزيدة على قول . ولا يجوز أن تكون " ما " نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها . وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار . وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم . ثم يستقله ويعتذر ، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر . ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر . ويمكن أن يقال : إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله . ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده { في أموالهم حق } فيكون كقوله { يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } [ البقرة : 3 ] ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة . قال جار الله : في قوله { هم يستغفرون } إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين . وقيل : إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق . وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله . والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل : إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه . وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً . والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل : في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة . ويمكن أن يقال : أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع . وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر . الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال صلى الله عليه وسلم " لكل كبد حرى أجر " الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا : فما هو قال : الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته ، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث . وقيل : المحروم الذي لا يمنى له مال . وقيل : هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب . ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله { وفي الأرض آيات } كقوله { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة } [ فصلت : 39 ] إلى قوله { إن الذي أحياها لمحي الموتى } [ فصلت : 39 ] ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة ، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة ، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره . وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس ، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك ، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع . ثم استدل بالأنفس فقال { وفي أنفسكم } آيات . وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً . وقيل : هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات . قال أهل النظم : هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً ، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم . وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه . { وما توعدون } هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش . وقيل : إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء . ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود ، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب تعالى . و " ما " مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا . قال الأصمعي : أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال : من الرجل ؟ قلت : من بني أصمع . قال : من أين أقبلت ؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن . فقال : اتل علي فتلوت { والذاريات } فلما بلغت قوله { وفي السماء رزقكم } فقال : حسبك . فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى . فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة ، فلما بلغت الآية صاح وقال : وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال : فهل غير هذا ؟ فقرأت { فورب السماء والأرض إنه لحق } فصاح فقال : يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه . ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في " هود " و " الحجر " وفي قوله { هل أتاك } تفخيم لشأن الحديث . والضيف واحد . وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته ، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله { بل عباد مكرمون } [ الأنبياء : 26 ] وجوز أن يكون نصب { إذا دخلوا } بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل . قال المفسرون : أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه { فراغ إلى أهله } فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة . وفي قوله { فقربه إليهم } دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم . { قال ألا تأكلون } سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في " الصافات " وقد مر . والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه { فأوجس } فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في " هود " وفي " الصافات " . واعلم أنه سبحانه ذكر في " هود " أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا { سلام قوم منكرون } ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة ، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه . قوله { فأقبلت امرأته في صرة } أي في صيحة ومنه صرير القلم . قال الحسن : كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان { وقالت } أنا { عجوز } فأجابت الملائكة { كذلك } أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به { قال ربك } فلا تستبعدي . وروي أن جبرائيل قال لها : انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة . { قال فما خطبكم } شأنكم وطلبكم ؟ فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في " هود " . والضمير في قوله { فيها } للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم ، قالت المعتزلة : في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد . وقال غيرهم : المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس ؟ فيقول له : ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد . فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد . وقوله { وتركنا فيها آية } كقوله في " العنكبوت " { ولقد تركنا منها آية بينة } [ الآية : 35 ] أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود . قوله { وفي موسى } قيل : الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله { وتركنا فيها } أي وجعلنا في موسى آية . قال جار الله : هو كقوله من قال : @ علفتها تبنا وماء بارداً @@ ويمكن أن يقال : إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف . قوله { فتولى بركنه } كقوله { ونأى بجانبه } [ الإسراء : 83 ] وقيل : الباء للمصاحبة . والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه . وقيل : ركنه هامان وزيره قال العلماء : وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به صلى الله عليه وسلم كما مر في " الصافات " لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة ، لأن موجبات اللوم تختلف . فراكب الكبيرة ملوم على قدرها ، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها ، وبينهما بون ، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر . والرميم ما رم وتفتت . قال في الكشاف : { تمتعوا حتى حين } تفسيره في قوله { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } [ هود : 65 ] قلت : هذا سهو منه فإن قوله { فعتوا عن أمر ربهم } لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله . وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس { فآمنوا فمتعناهم إلى حين } [ الصافات : 148 ] فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين { فعتوا عن أمر ربهم } بالإصرار على كفرهم . فقيل : على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها { وهم ينظرون } أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام { فما استطاعوا من قيام } عبارة عن جثومهم كما مر مراراً { وما كانوا منتصرين } ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف . ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال { والسماء بنيناها بأيد } وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان . وفي قوله { بأيد } أي بقوة تأكيد لذلك . وفي قوله { وأنا لموسعون } مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن : أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر . وقيل : جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة . وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى { ومن كل شيء } من الحيوان { خلقنا زوجين } ذكراً وأنثى . وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة . قال : كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد لا مثل له . وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله تعالى فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال { لعلكم تذكرون } له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع . وإذا عرفتم الله { ففروا إلى الله } أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه . وكرر قوله { إني لكم منه نذير مبين } للتأكيد . وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله { كذلك } أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب . ثم فسر ما أجمله بقوله { ما أتى } إلى آخره وقوله { أتواصوا به } استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم . ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً { بل هم قوم طاغون } يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول { فتول عنهم } فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة { فما أنت بملوم } على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك { وذكر } مع ذلك { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر . ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة . وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض . وقال أهل السنة : إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة ، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها ، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل ، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه . ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم . والمتين الشديد القوة . ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله { فإن للذين ظلموا ذنوباً } أي نصيباً من العذاب { مثل ذنوب أصحابهم } المهلكين ، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان : وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو . واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر .