Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 49, Ayat: 15-18)
Tafsir: al-Lubāb fī ʿulūm al-kitāb
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله تعالى : { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } هذاإرشاد للذين قالوا آمنّا ؛ بين لهم حقيقة الإيمان فقال : إنْ كُنتمْ تريدون الإيمان فالمؤمن من آمن بالله ورسوله { ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } أي لم يشكوا في دينهم وأيقنوا بأن الإيمان إيقانٌ . و " ثُمَّ " للتراخي في الحكاية كأنه يقول : آمنوا ثم أقول شيئاً آخر لم يرتابوا . ويحتمل أن تكون للتراخي في الفعل ، أي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم من الحشر والنَّشْر { وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي أيقنوا أن بعده هذه الدار دارٌ أخرى فجاهدوا طالبين العُقْبَى { أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ } في إيمانهم . فإن قيل : كيف يجوز أن يكذبوا في الإسلام ، والإسلام هو الانقياد وقد وجد منهم قولاً وفعلاً ، وإن لم يوجد اعتقاداً أو علماً ، وذلك القدر كاف في صدقهم في قولهم : إِنَّا أَسْلَمْنَا ؟ ! . فالجواب : إن التكذيبَ يقع على وجهين : أحدهما : إن لا يوجد نفس المخبر عنه . والثاني : إن لا يوجد كما أخبر في نفسك ، فقد يقول له : ما جئتنا بلْ جئتَ للحاجة ، فالله تعالى كذبهم في قولهم : آمنّا على الوجه الأوَّل أي ما آمنتم أصلاً ، ولم يصدقهم في الإسلام على الوجه الثاني فإنهم انقادوا للحاجة وأخذ الصدقة . فصل لما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُون بالله أنهم مؤمنون صادقون وعرف الله غير ذلك منهم فنزل الله : { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ } ، والتعليم ههنا بمعنى الإعْلام فلذلك قال : بِدِينكم ، أدخل الباء فيه ؛ لأنه منقول بالتضعيف من علمت به بمعنى شعرت به فلذلك تعدت لواحد بنفسها ، ولآخر بالباء . والمعنى لا تعرفوا الله بدينكم فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء ، لأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض ، { وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يحتاج إلى إخباركم . قوله ( تعالى ) : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } يجوز في قوله : أَنْ أَسْلَمُوا وجهان : أحدهما : أنه مفعول به لأنّه ضمن يمنون معنى يُعِيدُونَ كأنه قيل : يعيدون عليك إسلامهم مانِّين به عليك ولهذا صرح بالمفعول به في قوله : { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ } أي لا تُعيدوا عليَّ إسلامكم . كذا استدل أبو حَيَّان . وفيه نظر ، إذ لقائل أن يقول : لا نسلم انتصاب " إِسْلاَمَكُمْ " على المفعول به ، بل يجوز فيه المفعول من أجله كما يجوز في محل " أَنْ أَسْلَمُوا " وهو الوجه الثاني فيه أي يمنون عليك لأجل أن أَسْلَمُوا فكذلك في قوله : { لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ } ، وشروط النصب موجودة والمفعول له متى كان مضافاً اسْتَوَى جرّه بالحرف ونصبه . قوله : { بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ } يعني لا مِنَّةَ لَكُمْ عَلَيْنَا أَصْلاً ، بل المنة عليكم حيث بينْتُ لكم الطرق المستقيم . قوله : { أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ } أعرابه كقوله : " أن أَسْلَمُوا " . وقرأ زيد بن علي : إِذْ هَدَاكُمْ بِإِذْ مَكَانَ " أنْ " وهي في مصحف عبد الله كذلك . وهي تفيد التعليل ، وجواب الشرط مقدر أي فَهُوَ المَانُّ عليكم لا أَنتم عَلَيْه وعَلَيَّ . فإن قيل : كيف مَنَّ عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم يؤمنوا ؟ . فالجواب من ثلاث أوجه : أحدها : أنه تعالى لم يقل : بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمانَ بلْ قال : أنْ هَدَاكُمْ للإِيمان . وثانيها : أنَّ إرسال الرسول بالآيات البينات هدايةٌ . ثالثها : أنه تعالى يمنُّ عليهم بما زعموا فكأنه قال : أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار فقال : هداكم في زعمكم ، ولهذا قال تعالى : { إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . ثم قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ … } الآية ؛ وهذا تقرير لأول السورة حيث قال : " إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَليمٌ " ، فأخبر ههنا عن علمه وبصره . قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } قرأ ابن كثير بالغيبة ، نظراً لقوله : يَمُنُّونَ وما بعده ، والباقون بالخطاب ، نظراً إلى قوله : لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلاَمَكُمْ إلى آخره ، وفي هذه الآية إشارة أنه يُبْصرُ أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة ، لا يخفى عليه شيءٌ . قال عليه الصلاة والسلام ـ : " مَنْ قَرَأَ سُورَة الحُجُرَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْر عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ أَطَاعَ اللهَ وَعَصَاهُ " ( انتهى ) .