Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 33, Ayat: 6-8)
Tafsir: Naẓm ad-durar fī tanāsub al-ayāt wa-s-suwar
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
ولما نهى سبحانه عن التبني ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه ، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالاً على أن الأمر أعظم من ذلك : { النبي } أي الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال ، ويرفعه دائماً في مراقي الكمال ، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال { أولى بالمؤمنين } أي الراسخين في الإيمان ، فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية { من أنفسهم } فضلاً عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم ، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم ، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني ، فأيّ حاجة له إلى السبب الجسماني { وأزواجه } أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته { أمهاتهم } أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء ، لأنه لا محذور من جهة النساء ، وذلك في الحرمة والإكرام ، والتعظيم والاحترام ، وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الإحكام ، والتعظيم بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلاً ، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص ، لأن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده ، وهو حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو إذا جعل شيئاً كان ، لأن الأمر أمره والخلق خلقه ، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } [ الملك : 14 ] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ترك مالاً فلترثه عصبته من كانوا ، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتي وأنا مولاه " . ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها ، ونهى عن التشتت والتشعب ، وكان من ذلك أمر التبني ، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديماً من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الأمر محتاجاً إليها ، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال ، وهي قبل هذه السورة ترتيباً ونزولاً ، وكان ما ذكر هنا فرداً داخلاً في عموم العبارة في تلك الآية ، أعادها منا تأكيداً وتنصيصاً على هذا الفرد للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل وزيادة فقال : { وأولوا الأرحام } أي القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها { بعضهم أولى } بحق القرابة { ببعض } في جميع المنافع العامة للدعوة والإرث والنصرة والصلة { في كتاب الله } أي قضاء الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ، وحكمه كما تقدم في كتابكم هذا ، وكما أشار إليه الحديث الماضي آنفاً . ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة ، بين المفصل عليه فقال : { من } أي هم أولى بسبب القرابة من { المؤمنين } الأنصار من غير قرابة مرجحة { والمهاجرين } المؤمنين من غير قرابة كذلك ، ولما كان المعنى : أولى في كل نفع ، استثنى منه على القاعدة الاستثناء من أعم العام قوله ، لافتاً النظم إلى أسلوب الخطاب ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون بالرسوخ في الإيمان الذي مضى ما دل عليه في آية الأولوية من التعبير بالوصف ، فيحثهم ذلك على فعل المعروف : { إلا أن تفعلوا } أي حال كونكم موصلين ومسندين { إلى أوليائكم } بالرق أو التبني أو الحلف في الصحة مطلقاً وفي المرض من الثلث تنجيراً أو وصية { معروفاً } تنفعونهم به ، فيكون حينئذ ذلك الولي مستحقاً لذلك ، ولا يكون ذو الرحم أولى منه ، بل لا وصية لوارث . ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله ، أعاد التنبيه على ذلك تأكيداً قلعاً لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال مستأنفاً : { كان ذلك } أي الحكم العظيم { في الكتاب } أي القرآن في آخر سورة الأنفال { مسطوراً * } بعبارة تعمه ، قال الأصبهاني : وقيل : في التوارة ، لأن في التوراة : إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه ، وميراثه لذوي قرابته ، فالآية من الاحتباك : أثبت وصف الإيمان أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ووصف الهجرة ثانياً دليلاً على حذف النصرة أولاً . ولما كان نقض العوائد وتغيير المألوفات مما يشق كثيراً على النفوس ، ويفرق المجتمعين ، ويقطع بين المتواصلين ، ويباعد بين المتقاربين ، قال مذكراً له صلى الله عليه وسلم بما أخذ على من قبله من نسخ أديانهم بدينه ، وتغيير مألوفاتهم بإلفه ، ومن نصيحة قومهم بإبلاغهم كل ما أرسلوا به ، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لأنه أدعى إلى قبول الأوامر : { وإذا } فعلم أن التقدير : اذكر ذلك - أي ما سطرناه لك قبل هذا في كتابك ، واذكر إذ { أخذنا } بعظمتنا { من النبيين ميثاقهم } في تبليغ الرسالة في المنشط والمكره ، وفي تصديق بعضهم لبعض ، وفي اتباعك فيما أخبرناك به في قولنا { لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } [ آل عمران : 81 ] وقولهم : أقررنا . ولما ذكره ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما يأمرهم سبحانه به من إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه ، ذكره ما أخذ عليه من العهد في التبليغ فقال : { ومنك } أي في قولنا في هذه السورة { اتق الله واتبع ما يوحى إليك } وفي المائدة { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل ، ولما أتم المراد إجمالاً وعموماً ، وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئاً به بياناً لتشريفه ولأنه المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي لأجل التبني وغيره ، أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع , تأكيداً للأمر وتعظيماً للمقام ، لأن من علم له شركاً في أمر اجتهد في سبقه فيه , ورتبهم على ترتيبهم في الزمان لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم ، بل التآسية بالمتقدمين والمتأخرين فقال : { ومن نوح } أول الرسل إلى المخالفين { وإبراهيم } أبي الأنبياء { وموسى } أول أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل { وعيسى ابن مريم } ختامهم ، نسبه إلى أمه مناداة على من ضلَّ فيه بالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة ؛ ثم زاد في تأكيد الأمر وتعظيمه تعظيماً للموثق فيه ، وإشارة إلى مشقته ، فقال مؤكداً بإعادة العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن المالوف : { وأخذنا منهم } أي بعظمتنا في ذلك { ميثاقا غليظاً } استعارة من وصف الأجرام العظام كناية عن أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا . ولما كان الأخذ على النبيين في ذلك اخذاً على أممهم ، وكان الكفر معذباً عليه من غير شرط ، والطاعة مثاباً عليها بشرط الإخلاص علله ، معبراً بما هو مقصود السورة فقال ملتفتاً إلى مقام الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا طال استأنس المخاطب : { ليسأل } أي يوم القيامة { الصادقين } أي في الوفاء بالعهد { عن صدقهم } هل هو لله خالصاً أو لا ، تشريفاً لهم وإهانة وتبكيتاً للكاذبين ، ويسأل الكافرين عن كفرهم ما الذي حملهم عليه ، والحال أنه أعد للصادقين ثواباً عظيم { وأعد للكافرين } أي الساترين لإشراق أنوار الميثاق { عذاباً أليماً } فالآية ، من محاسن رياض الاحتباك ، وإنما صرح بسؤال الصادق بشارة له بتشريفه في ذلك الموقف العظيم ، وطوى سؤال الكفار إشارة إلى استهانتهم بفضيحة الكذب { ويحلفون على الكذب وهو يعلمون } [ المجادلة : 14 ] { فيحلفون له كما يحلفون لكم } [ المجادلة : 18 ] وذكر ما هو أنكى لهم .