Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 19, Ayat: 61-61)
Tafsir: Tafsīr al-Qurʾān al-ʿaẓīm
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله تعالى : { جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ } [ 61 ] يعني معاينة الحق بمعنى القرب الذي جعله بينه وبينهم ، فيرى العبد قلبه في قرب الحق مشهوداً في غيب الغيب ، وغيب الغيب هو نفس الروح وفهم العقل وفطنة المراد بالقلب ، فإن نفس الروح موضع العقل ، وهو موضع القدس ، والقدس متصل بالعرش ، وهو اسم من أسماء العرش ، وجعل الله تعالى للنفس جزءاً من ألف جزء من الروح ، بل أقل من ذلك ، فإذا صارت إرادة الروح إرادة النفس أعطيا فيما بينهما الفطنة والذهن ، والفطنة إمام الذهن ، والفهم إمام الذهن ، والفطنة حياة ، والفهم عيش ، وإنما يفهم الكلام رجلان : واحد يحب أن يفهم لكي يتكلم به في موضع ، فليس له حظ منه إذ ذاك ، وآخر يسمعه فيشغله العمل به عن غيره ، وهذا أعز من الكبريت الأحمر ، وأعز من كل عزيز ، وهو في المتحابين في الله . والتفهم بكلف والفطنة لا تنال بالتكلف ، وهو العمل بالإخلاص له ، فإن لله تعالى عباداً في الجنة لو حجبوا عن اللقاء طرفة عين لاستغاثوا فيها كما يستغيث أهل النار في النار ، لأنهم عرفوه ، أفلا ترون إلى الكليم عليه السلام حيث لم يصبر عن رؤيته لما وجد حلاوة مناجاته حتى قال : " إلهي ، ما هذا الصوت العيراني الذي غلب على قلبي منك ؟ قد سمعت صوت الوالدة الشفيقة ، وصوت الطير في الهواء ، فما سمعت صوتاً أجلب لقلبي من هذا الصوت " . وكان موسى عليه السلام بعد ذلك كلما رأى جبلاً أسرع إليه ، وصعد عليه ؛ شوقاً إلى كلامه جل جلاله . وقد كان رجل من بني إسرائيل لا يذهب موسى إلى مكان إلا مشى بحذائه ، ولا يجلس مجلساً إلا جلس بحذائه ، حتى تأذى موسى عليه السلام منه ، قيل له : إنك أذيت نبي الله . قال : إنما أريد أن أنظر إلى الفم الذي كلّم الله به . فقال : { رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] فقال : يا موسى ، إنه لن يراني خليقة في الأرض إلا مات . فقال : " رب أرني أنظر إليك وأموت ، أحب إلي من أن لا أنظر إليك وأحيى " . فمن أخلص لله قلبه له فاشتاق إليه وصل إليه . وقد كان أبو عبيد الله الخواص يصيح ببغداد فيقول : أنا من ذكرك جائع لم أشبع ، أنا من ذكرك عطشان لم أرو ، واشوقاه إلى من يراني ولا أره ، ثم يأتي دجلة وعليه ثياب فيرمي نفسه فيها ، فيغوص في موضع ويخرج من موضع آخر وهو يقول : أنا من ذكرك جائع لم أشبع ، أنا من ذكرك عطشان لم أرو ، واشوقاه إلى من يراني ولا أراه ، والناس على الشط يبكون . وجاء رجل إلى سهل يوماً والناس مجتمعون عليه فقال : يا أبا محمد انظر إيش عمل بك وإيش يوقع لك ، فلم يؤثر ذلك على سهل ، وقال : هو المقصود هو المقصود .