Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 27, Ayat: 29-33)
Tafsir: ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
اعلم أن قوله : { قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأ إِنّى أُلْقِيَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } بمعنى أن يقال إن الهدهد ألقى إليها الكتاب فهو محذوف كأنه ثابت ، روي أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية ، وقيل نقرها فانتبهت فزعة . أما قوله : { كِتَابٌ كَرِيمٌ } ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : حسن مضمونه وما فيه وثانيها : وصفته بالكريم لأنه من عند ملك كريم وثالثها : أن الكتاب كان مختوماً وقال عليه السلام : " " كرم الكتاب ختمه " " وكان عليه السلام " " يكتب إلى العجم ، فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم فاتخذ لنفسه خاتماً " " أما قوله : { أَنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وأَنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } ففيه أبحاث : البحث الأول : أنه استئناف وتبيين لما ألقى إليها كأنها لما قالت إني ألقي إليَّ كتاب كريم قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه من سليمان وإنه كيت وكيت ، وقرأ عبدالله { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ } عطفاً على { إِنّى } وقرىء { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ } بالفتح وفيه وجهان : أحدهما : أنه بدل من كتاب كأنه قيل ألقي إليَّ أنه من سليمان وثانيهما : أن يريد أن من سليمان ولأنه بسم الله كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله وقرأ أبي أن من سليمان وأن بسم الله على أن المفسرة ، وأن في ألا تعلوا مفسرة أيضاً ومعنى لا تعلوا لا تتكبروا كما تفعل الملوك ، وقرأ ابن عباس بالغين معجمة من الغلو وهي مجاوزة الحد . البحث الثاني : يقال لما قدم سليمان اسمه على قوله : { بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } ؟ جوابه : حاشاه من ذلك بل ابتدأ هو ببسم الله الرحمن الرحيم ، وإنما ذكرت بلقيس أن هذا الكتاب من سليمان ثم حكت ما في الكتاب والله تعالى حكى ذلك فالتقديم واقع في الحكاية . البحث الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يطيلون بل يقتصرون على المقصود ، وهذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود ، وذلك لأن المطلوب من الخلق ، إما العلم أو العمل والعلم مقدم على العمل فقوله : { بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً . وأما قوله : { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ } فهو نهي عن الانقياد لطاعة النفس والهوى والتكبر . وأما قوله : { وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن ، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوي كل ما لا بد منه في الدين والدنيا ، فإن قيل النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد جوابه : معاذ الله أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز ، والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة لا جرم لم يذكر في الكتاب دليلاً آخر . أما قوله : { يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأَ أَفْتُونِى فِى أَمْرِي } فالفتوى هي الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن أي أجيبوني في الأمر الفتى ، وقصدت بالانقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطييب قلوبهم { مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً } أي لا أبت أمراً إلا بمحضركم . أما قوله : { قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ } فالمراد قوة الأجسام وقوة الآلات والعدد والمراد بالبأس النجدة والثبات في الحرب ، وحاصل الجواب أن القوم ذكروا أمرين : أحدهما : إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن أرادتهم للدفع والحرب وجدتهم بحيث تريد ، والآخر قولهم : { وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ } وفي ذلك إظهار الطاعة لها إن أرادت السلم ، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا ، والله أعلم .