Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 50, Ayat: 25-25)

Tafsir: ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

وقوله تعالى : { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } . فيه وجهان أحدهما : كثير المنع للمال الواجب ، وإن كان من الكفر ، فهو أنكر دلائل وحدانية الله مع قوتها وظهورها ، فكان شديد الكفر عنيداً حيث أنكر الأمر اللائح والحق الواضح ، وكان كثير الكفران لوجود الكفران منه عند كل نعمة عنيد ينكرها مع كثرتها عن المستحق الطالب ، والخير هو المال ، فيكون كقوله تعالى : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } [ فصلت : 6 ، 7 ] حيث بدأ ببيان الشرك ، وثنى بالامتناع من إيتاء الزكاة ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفران ، كأنه يقول : كفر أنعم الله تعالى ، ولم يؤد منها شيئاً لشكر أنعمه ثانيهما : شديد المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خير محض من أن يدخل في قلوب العباد ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر ، كأنه يقول : كفر بالله ، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير . وقوله تعالى : { مُعْتَدٍ } . فيه وجهان أحدهما : أن يكون قوله { مُعْتَدٍ } مرتباً على { مَّنَّاعٍ } بمعنى مناع الزكاة ، فيكون معناه لم يؤد الواجب ، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضاً بالربا والسرقة ، كما كان عادة المشركين وثانيهما : أن يكون قوله { مُعْتَدٍ } مرتباً على { مَّنَّاعٍ } بمعنى منع الإيمان ، كأنه يقول : منع الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه ، وأهان من آمن وآذاه ، وأعان من كفر وآواه . وقوله تعالى : { مُرِيبٍ } . فيه وجهان أحدهما : ذو ريب ، وهذا على قولنا : الكفار كثير الكفران ، والمناع مانع الزكاة ، كأنه يقول : لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة ، والثواب فيقول : لا أقرب مالاً من غير عوض وثانيهما : { مُرِيبٍ } يوقع الغير في الريب بإلقاء الشبهة ، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعاً ، وفي الآية ترتيب آخر غير ما ذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة إلى الله ، وإلى رسول الله ، وإلى اليوم الآخر ، فقوله { كَفَّارٍ عَنِيدٍ } إشارة إلى حاله مع الله يكفر بعد ويعاند آياته ، وقوله { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ } إشارة إلى حاله مع رسول الله ، فيمنع الناس من اتباعه ، ومن الإنفاق على من عنده ، ويتعدى بالإيذاء وكثرة الهذاء ، وقوله { مُرِيبٍ } إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يريب فيه ويرتاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة ، فإن قيل قوله تعالى : { أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاء خاصاً بمن اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها ، والكفر كاف في إيراث الإلقاء في جهنم والأمر به ، فنقول قوله تعالى : { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } ليس المراد منه الوصف المميز ، كما يقال : أعط العالم الزاهد ، بل المراد الوصف المبين بكون الموصوف موصوفاً به إما على سبيل المدح ، أو على سبيل الذم ، كما يقال : هذا حاتم السخي ، فقوله { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } يفيد أن الكفار عنيد ومناع ، فالكفار كافر ، لأن آيات الوحدانية ظاهرة ، ونعم الله تعالى على عبده وافرة ، وعنيد ومناع للخير ، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق فهو يمنع ، ومريب لأنه شاك في الحشر ، فكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات .