Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 19, Ayat: 73-75)

Tafsir: al-Ǧāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله تعالى : { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ } أي على الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى : { أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } [ مريم : 66 ] . وقال فيهم : { وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } أي هؤلاء إذا قرىء عليهم القرآن تَعزَّزوا بالدنيا ، وقالوا : فما بالنا إن كنا على باطل أكثر أموالاً وأعز نفراً . وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحقّ في دينه ، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيراً ولا في المسلمين غنياً ، ولم يعلموا أن الله تعالى نَحَّى أولياءه عن الاغترار بالدنيا ، وفرط الميل إليها . و « بيناتٍ » معناه مرتَّلات الألفاظ ، ملخصة المعاني ، مبينات المقاصد إما محكمات ، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات ، أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً . أو ظاهرات الإعجاز تُحدّي بها فلم يقدر على معارضتها . أو حججاً وبراهين . والوجه أن تكون حالاً مؤكدة كقوله تعالى : { وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً } [ البقرة : 91 ] لأن آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججاً . { قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يريد مشركي قريش النضر بن الحارث وأصحابه . { لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت فيهم قشافة ، وفي عيشهم خشونة ، وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ، ويدهنون رؤوسهم ، ويلبسون خير ثيابهم ، فقالوا : للمؤمنين : { أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } . قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد « مُقَاماً » بضم الميم وهو موضع الإقامة . ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإقامة . الباقون « مَقَاماً » بالفتح ، أي منزلاً ومسكناً وقيل : المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلةأي أيّ الفريقين أكثر جاهاً وأنصاراً . « وَأَحْسَنُ نَدِيًّا » أي مجلساً عن ابن عباس . وعنه أيضاً المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي . ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم . وناداه جالسه في النادي قال : @ أنادي به آل الوليد وجعفرَا @@ والنديّ على فعيل مجلس القوم ومتحدَّثهم ، وكذلك الندوة والنادي والمُنْتَدى والمُنَتَدَّى ، فإن تفرق القوم فليس بنديّ قاله الجوهري . قوله تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ } أي من أمة وجماعة . { هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً } أي متاعاً كثيراً قال : @ وفَرْعٍ يَزينُ المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ أَثِيثٍ كقِنْوِ النَّخلَةِ المُتَعَثْكِلِ @@ والأثاث متاع البيت . وقيل : هو ما جدّ من الفَرْش والخُرْثيّ ما لُبس منها ، وأنشد الحسن بن عليّ الطوسي فقال : @ تقادم العهد من أم الوليد بنا دهراً وصار أثاث البيت خُرْثِيّا @@ وقال ابن عباس : هيئة . مقاتل : ثيابا . { وَرِءْياً } أي منظَراً حسناً . وفيه خمس قراءات : قرأ أهل المدينة « ورِيًّا » بغير همز . وقرأ أهل الكوفة « ورِئيا » بالهمز . وحكى يعقوب أن طلحة قرأ « وَرِياً » بياء واحدة مخففة . وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس : « هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وزِيًّا » بالزاي فهذه أربع قراءات . قال أبو إسحاق : ويجوز « هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وريْئا » بياء بعدها همزة . النحاس : وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران : أحدهما : أن تكون من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء ، وأدغمت الياء في الياء . وكان هذا حسناً لتتفق رؤوس الآيات لأنها غير مهموزات . وعلى هذا قال ابن عباس : الرئي المنظر فالمعنى : هم أحسن أثاثاً ولباساً . والوجه الثاني : أن جلودهم مرتوية من النعمة فلا يجوز الهمز على هذا . وفي رواية ورش عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر « ورئيا » بالهمز تكون على الوجه الأوّل . وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل . وقراءة طلحة بن مُصَرِّف « ورِياً » بياء واحدة مخففة أحسبها غلطاً . وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز فقلبت الهمزة ياء ، ثم حذفت إحدى اليائين . المهدوي : ويجوز أن يكون « رِيْئاً » فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت . وقد قرأ بعضهم « ورِياً » على القلب وهي القراءة الخامسة . وحكى سيبويه رَاءَ بمعنى رأى . الجوهري : من همزه جعله من المنظر من رأيت ، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة . وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي فقال : @ أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذِي الرِّئي الجميلِ من الأثاث @@ ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رَوِيت ألوانهم وجلودهم رِيًّا أي امتلأت وحسنت . وأما قراءة ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي ويزيد البربري « وزِيا » بالزاي فهو الهيئة والحسن . ويجوز أن يكون من زَوَيتُ أي جمعت ، فيكون أصلها زِويا فقلبت الواو ياء . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " زُويت لي الأرض " أي جمعت أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى فليعش هؤلاء ما شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عُمِّروا أو العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به . قوله تعالى : { قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ } أي في الكفر { فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } أي فليدعه في طغيان جهله وكفره فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر أي من كان في الضلالة مدّه الرحمن مداً حتى يطول اغتراره فيكون ذلك أشدّ لعقابه . نظيره : { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً } [ آل عمران : 178 ] وقوله : { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [ الأنعام : 110 ] ومثله كثير أي فليعش ما شاء ، وليوسع لنفسه في العمر فمصيره إلى الموت والعقاب . وهذا غاية في التهديد والوعيد . وقيل : هذا دعاء أمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم تقول : من سرق مالي فليقطع الله تعالى يده فهو دعاء على السارق . وهو جواب الشرط . وعلى هذا فليس قوله : « فليمدد » خبراً . قوله تعالى : { حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } قال : « رأوا » لأن لفظ « من » يصلح للواحد والجمع . و « إذا » مع الماضي بمعنى المستقبل أي حتى يروا ما يوعدون . والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار . { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً } أي تنكشف حينئذٍ الحقائق . وهذا رد لقولهم : « أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا » .