Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 18, Ayat: 58-66)
Tafsir: Anwār at-tanzīl wa-asrār at-taʾwīl
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
{ وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ } البليغ المغفرة . { ذُو ٱلرَّحْمَةِ } الموصوف بالرحمة . { لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ } استشهاد على ذلك بإمهال قريش مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم . { بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } وهو يوم بدر أو يوم القيامة . { لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منجاً ولا ملجأ ، يقال وأل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه . { وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } يعني قرى عاد وثمود وأضرابهم ، { وَتِلْكَ } مبتدأ خبره . { أَهْلَكْنَـٰهُمْ } أو مفعول مضمر مفسر به ، و { ٱلْقُرَىٰ } صفته ولا بد من تقدير مضاف في أحدهما ليكون مرجع الضمائر . { لَمَّا ظَلَمُواْ } كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي . { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا } لإِهلاكهم وقتاً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون ، فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم ، وقرأ أبو بكر { لِمَهْلِكِهِم } بفتح الميم واللام أي لهلاكهم ، وحفص بكسر اللام حملاً على ما شذ من مصادر يفعل كالمرجع والمحيض . { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ } مقدر باذكر . { لِفَتَـٰهُ } يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه وقيل لعبده . { لا أَبْرَحُ } أي لا أزال أسير فحذف الخبر لدلالة حاله وهو السفر وقوله : { حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } من حيث إنها تستدعي ذا غاية عليه ، ويجوز أن يكون أصله لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فانقلب الضمير والفعل وأن يكون { لا أَبْرَحُ } هو بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر ، و { مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وُعِدَ لقاء الخضر فيه . وقيل البحران موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن . وقرىء « مِجْمَعَ » بكسر الميم على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع { أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } أو أسير زماناً طويلاً ، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع ، والحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون . روي : أن موسى عليه الصلاة والسلام خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله مصر خطبة بليغة فأعجب بها فقيل له : هل تعلم أحداً أعلم منك فقال : لا ، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبدنا الخضر وهو بمجمع البحرين ، وكان الخضر في أيام افريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى . وقيل إن موسى عليه السلام سأل ربه أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني ، قال فأي عبادك أقضى ، قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى ، قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ، فقال إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه ، قال أعلم منك الخضر قال : أين أطلبه ، قال على الساحل عند الصخرة ، قال كيف لي به قال تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك ، فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان . { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي مجمع البحرين و { بَيْنَهُمَا } ظرف أضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل . { نَسِيَا حُوتَهُمَا } نسي موسى عليه الصلاة والسلام أن يطلبه ويتعرف حاله ، ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر . روي : أن موسى عليه السلام رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر . وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء . وقيل نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب { فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً } فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً من قوله { وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } [ الرعد : 10 ] وقيل أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه ، ونصبه على المفعول الثاني وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز تعلقه باتخذ . { فَلَمَّا جَاوَزَا } مجمع البحرين . { قَالَ لِفَتَـٰهُ ءاتِنَا غَدَاءنَا } ما نتغذى به . { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً } قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب . وقيل لم يعي موسى في سفر غيره ويؤيده التقييد باسم الإِشارة . { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا } أرأيت ما دهاني إذ أوينا . { إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } يعني الصخرة التي رقد عندها موسى . وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت . { فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ } فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه . { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ } أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن { أَنْ أَذْكُرَهُ } بدل من الضمير ، وقرىء « أن أذكركه » . وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه ، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها ، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة ، وإنما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان . { وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا } سبيلاً عجباً وهو كونه كالسرب أو اتخاذ عجباً ، والمفعول الثاني هو الظرف وقيل هو مصدر فعله المضمر أي قال في آخر كلامه ، أو موسى في جوابه عجباً تعجباً من تلك الحال . وقيل الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجباً . { قَالَ ذَلِكَ } أي أمر الحوت . { مَا كُنَّا نَبْغِ } نطلب لأنه أمارة المطلوب . { فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا } فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه . { قَصَصًا } يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً ، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة . { فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } الجمهور على أنه الخضر عليه السلام واسمه بليا بن ملكان . وقيل اليسع . وقيل إلياس . { ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } هي الوحي والنبوة . { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب . { قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ } على شرط أن تعلمني ، وهو في موضع الحال من الكاف . { مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } علماً ذا رشد وهو إصابة الخير ، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل ، وهو مفعول { تُعَلّمني } ومفعول { عَلِمَتِ } العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد ، ويجوز أن يكون رشداً علة لأتبعك أو مصدراً بإضمار فعله ، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطاً في أبواب الدين ، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً ، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب ، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له ، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه .