Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 11, Ayat: 90-90)
Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
وهذه الآية تبين لنا أن الحق سبحانه لا يغلق أمام العاصي - حتى المُصِرّ على شيء من المعصية - باب التوبة . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " . ولنا أن نتخيل بماذا يشعر من فقد بعيره وهذا البعير يحمل زاد صاحبه ورَحْله ثم يعثر الرجل على بعيره هذا . لا بد - إذن - أن يفرح صاحب البعير بالعثور عليه . والحق سبحانه يقول هنا ما جاء على لسان شعيب - عليه السلام - لقومه : { وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ … } [ هود : 90 ] . وما دمتم ستستغفرونه عن الذنوب الماضية وتتوبون إليه بألا تعودوا إلى ارتكابها مرة أخرى فالحق سبحانه لا يرد مَنْ قصد بابه : { … إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } [ هود : 90 ] لأن مغفرته تستر العذاب ، ورحمته تمنع العذاب . وجاء الحق سبحانه هنا بأوسع المعاني : المغفرة ، والرحمة ، ومعهما صفته " الودود " وهي من الود والود هو الحب والحب يقتضي العطف على قدر حاجة المعطوف عليه . ولله المثل الأعلى : نرى الأم ولها ولدان : أولهما قادر ثري يأتي لها بما تريد وثانيهما ضعيف فقير فنجد قلب الأم - دائماً - مع هذا الضعيف الفقير وتحنِّن قلب القويِّ القادر على الفقير الضعيف . ونجد المرأة العربية القديمة تجيب على من سألها : أي أبنائك أحب إليك ؟ فتقول : الصغير حتى يكبر والغائب حتى يعود والمريض حتى يشفى . إذن : فالحب يقتضي العطف على قدر الحاجة . ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي : " يا بن آدم لا تَخَافنَّ من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً وسلطاني لا ينفد أبداً . يا بن آدم لا تَخْشَ من ضيق رزق وخزائني ملآنة ، وخزائني لا تنفد أبداً . يا بن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب ، وضمنت لك رزقك فلا تتعب ، فَوَعِزَّتي وجلالي إن رضيت بما قسمتُه لك أرحتُ قلبك وبدنك وكنتَ عندي محموداً وإن أنت لم ترض بما قسمتُه لك فوعزتي وجلالي لأسلِّطنَّ عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحوش في البرية ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك . يا بن آدم خلقت السماوات والأرض ولم أعْيَ بخلقهنَّ أيعييني رغيف عيش أسوقه لك ؟ يا بن آدم لا تسألني رزق غد كما أطلب منك عمل غدٍ . يا بن آدم أنا لك مُحِبٌّ فبحقي عليك كنْ لي مُحِبّاً " . وهذا الحديث الكريم يبيِّن مدى مودة الله سبحانه لخلقه تلك المودة التي لا تستوعبها القلوب المشركة . ويأتي الحق - سبحانه وتعالى - بعد ذلك بقول أهل مدين رَدّاً على شعيب - عليه السلام - : { قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً … } .