Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 13, Ayat: 1-1)

Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

وقد سبق لنا أن تكلمنا طويلاً في خواطرنا عن الحروف التي تبدأ بها بعض من سور القرآن الكريم : مثل قوله الحق : { الۤمۤ } [ البقرة : 1 ] . وقوله : { الۤمۤر … } [ الرعد : 1 ] . ومثل قوله : { الۤمۤصۤ } [ الأعراف : 1 ] . وغير ذلك من الحروف التوقيفية التي جاءتْ في أول بعض من فَواتِح السُّور . ولكن الذي أُحب أن أؤكد عليه هنا هو أن آيات القرآن كلها مَبْنية على الوَصْل لا على الوَقْف ولذلك تجدها مَشْكُولة لأنها مَوْصُولة بما بعدها . وكان من المفروض - لو طبَّقْنَا هذه القاعدة - أن نقرأ " المر " فننطقها : " ألفٌ " " لامٌ " " ميمٌ " " راءٌ " ، ولكن شاء الحق سبحانه هنا أن تأتي هذه الحروف في أول سورة الرعد مَبْنية على الوقف ، فنقول : " ألفْ " " لامْ " " ميمْ " " راءْ " . وهكذا قرأها جبريل عليه السلام على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهكذا نقرأها نحن . ويتابع سبحانه : { تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ … } [ الرعد : 1 ] . أي : أن السورة القادمة إليك هي من آيات الكتاب الكريم - القرآن - وهي إضافة إلى ما سبق وأُنْزِل إليك ، فالكتاب كله يشمل من أول { بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ } [ الفاتحة : 1 ] . في أول القرآن ، إلى نهاية سورة الناس . ونعلم أن الإضافة تأتي على ثلاث مَعَانٍ فمرَّة تأتي الإضافة بمعنى " من " مثل قولنا " أردب قمح " والمقصود : أردب من القمح . ومرة تأتي الإضافة بمعنى " في " مثل قولنا : " مذاكرة المنزل " والمقصود : مذاكرة في المنزل . ومرة ثالثة تأتي الإضافة بمعنى " اللام " وهي تتخذ شَكْليْنِ . إمَّا أن تكون تعبيراً عن ملكية ، كقولنا " مالُ زيدٍ لزيد " . والشكل الثاني أن تكون اللام للاختصاص كقولنا " لجام الفرس " أي : أن اللجام يخص الفرس فليس معقولاً أن يملك الفرس لِجَاماً . إذن : فقول الحق سبحانه هنا : { تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ … } [ الرعد : 1 ] . يعني تلك آياتٌ من القرآن لأن كلمة " الكتاب " إذا أُطلِقتْ فهي تنصرف إلى القرآن الكريم . والمثل هو القول " فلانٌ الرجل " أي : أنه رجل حقاً وكأن سُلوكه هو مِعْيار الرجولة ، وكأن خِصَال الرجولة في غيره ليست مُكْتملة كاكتمالها فيه ، أو كقولك " فلان الشاعر " أي : أنه شاعر مُتميِّز للغاية . وهكذا نعلم أن كلمة " الكتاب " إذا أُطْلِقتْ ينصرف في العقائد إلى القرآن الكريم ، وكلمة الكتاب إذا أُطِلقت في النحو انصرفتْ إلى كتاب سيبويه الذي يضم قواعد النحو . ويتابع سبحانه في وصف القرآن الكريم : { وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الرعد : 1 ] . ونعلم أن مراد الذي يخالف الحق هو أن يكسب شيئاً من وراء تلك المخالفة . وقد قال سبحانه في أواخر سورة يوسف : { وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [ يوسف : 103 ] . ثم وصف القرآن الكريم ، فقال تعالى : { مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يوسف : 111 ] . وهكذا نرى أن الحق سبحانه لا يريد الكَسْب منكم ، لكنه شاء أن يُنزِل هذا الكتاب لتكسبوا أنتم : { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الرعد : 1 ] . أي : أن أكثر مَنْ دعوتَهُم إلى الإيمان بهذا الكتاب الحق لا يؤمنون بأنه نزل إليك من ربك لأنهم لم يُحسِنوا تأمُّل ما جاء فيه واستسلموا للهَوَى . وأرادوا السلطة الزمنية ، ولم يلتفتوا إلى أن ما جاء بهذا الكتاب هو الذي يعطيهم خير الدنيا والآخرة . ويقول سبحانه بعد ذلك : { ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ … } .