Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 5, Ayat: 64-64)
Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله : { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } الآية . هذه الآية من أدل دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ أخبرهم بمكنون سرهم وخفي اعتقادهم . ومعنى قولهم { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } : " خير الله مُمسَك " وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم واليد - هنا - بمنزلة قوله تعالى في تأديب نبيه : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } [ الإسراء : 29 ] أي : لا تقتر في النفقة حتى تضر بنفسك وبمن معك ، { ( وَ ) لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } [ الإسراء : 29 ] أي : لا تسرف في الإنفاق والتبذير ، فتبقى لا شيء لك . وإنما خصت اليد بأن جعلت في موضع الإمساك والإنفاق ، لأن عطاء الناس وبذلهم مَعْروفهم ، الغالب عليه باليد ، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضاً بالكرم أو بالبخل بأن أضافوه إلى اليد التي بها يكون العطاء والإمساك ، فخوطبوا بما يتعارفونه في كلامهم ، فحكى الله عن اليهود أنهم قالوا { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } أي : أنه يبخل علينا بالعطاء كالذي يده مغلولة عن العطاء ، تعالى الله عما قال أعداء الله علواً كبيراً . وقال بعض المفسرين ( في ) معنى الآية : نعمة الله مقبوضة عنا . لأنهم كانوا إذا نزل بهم خير ، / قالوا : يد الله مبسوطة علينا ، وإذا نزل بهم ضيق وجدْبٌ ، قالوا : يد الله مقبوضة عنا ، أي : نعمته وأفضاله . وقد قيل : في قوله { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } : أنهما مطر السماء ونبات الأرض ، لأن النعم ( بهما ومنهما ) تكون . قوله : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } أي : من الخير ، { وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } أي : أبعدوا من رحمة الله عز وجل لقولهم ذلك . وقيل : غلت في الآخرة ، وهو دعاء عليهم . ثم قال تعالى - راداً لما حكى من قولهم - : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي : بالبذل والإعطاء ، { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ } أي : يعطي : فيحرم هذا ويُقَتِّرُ عليه ، ويُوسِّع على هذا . قال عكرمة ومجاهد والضحاك : قولهم { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } معناه : أنه بخيل ليس بالجواد . وكذلك معنى قول ابن عباس وغيره . قوله : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } قيل : معناه : نعمتاه الظاهرة والباطنة على خلقه مبسوطتان . وقيل : معناه : نعمتاه ، يعني نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة . والعرب تقول : " لفلان عند فلان يد " ، أي : نعمة . وقيل : عنى بذلك القوة ، كقوله : { أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ } [ ص : 45 ] أي : أصحاب القوة والبصائر في الدين . وقد قيل في معنى قولهم : { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } أي : عن عذابنا ، [ أي يده مقبوضة عن عذابنا ، و ] معنى { مَبْسُوطَتَانِ } أي : [ مطلقتان ] . واليد - عند أهل النظر والسنة في هذا الموضع وما كان مثله - صفة من صفات الله ، ليست بجارحة ، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] ، فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله ، إذ ليس كمثله شيء ، و ( أن ما ) وقع من ذكر هذا وشبهه ، وذكر المجيء والإتيان ، صفات لله ، لا أنها فيها انتقال وحركة وجارحة ، فسبحان من ليس كمثله شيء من جميع الأشياء ، فلو أنك أثبت له حركة أو انتقالاً أو جارحة لكنت قد جعلته كبعض الأشياء الموجودة ، وقد قال : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] ، فاحذر أن يتصور في عقلك أن البارئ جل ذكره يشبه شيئاً من الأشياء التي عقلت وفهمت ، ومتى فعلت شيئاً من هذا فقد ألحدت ، وأهل السنة يقولون : ان يديه غير نعمته . وقوله : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً } أي : ليزيدنهم ما أطلعناك عليه من خفي اعتقادهم ، وسوء مذهبهم ، { طُغْيَاناً } عن الإيمان بك ، { وَكُفْراً } بما جئت به . { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } أي : بين اليهود والنصارى . وهو مردود إلى قوله : { لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ } [ المائدة : 51 ] . { كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } أي : كلما أجمعوا أمرهم على شيء شتته الله وأفسده عليهم . قال قتادة : ( لن تلقى ) يهودياً ببلد إلا وجدته ( من ) أذل أهل ذلك البلد ، ولقد جاء الإسلام - حين ( جاء - وهم ) تحت أيدي المجوس أبغض خلق الله إليه . وهو كلام تمثيل ، وتحقيقه : كلما تجمعوا لتفريق المؤمنين وحربهم ، شتتهم الله و [ محقهم ] . { وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً } أي : يسعون في إبطال الإسلام ، والكفر برسوله وآياته ، { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي : " من كان عاملاً بمعاصيه " .