Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 38, Ayat: 65-88)
Tafsir: Taysīr al-karīm ar-raḥmān fī tafsīr kalām al-mannān
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
{ قُلْ } يا أيها الرسول لهؤلاء المكذبين ، إن طلبوا منك ما ليس لك ولا بيدك : { إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ } هذا نهاية ما عندي ، وأما الأمر فلله تعالى ، ولكني آمركم وأنهاكم وأحثكم على الخير وأزجركم عن الشر فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } أي : ما أحد يؤله ويعبد بحق إلا اللّه { ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } هذا تقرير لألوهيته ، بهذا البرهان القاطع ، وهو وحدته تعالى ، وقهره لكل شيء ، فإن القهر ملازم للوحدة ، فلا يكون قهارين متساويين في قهرهما أبداً . فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له ، وهو الذي يستحق أن يُعبد وحده ، كما كان قاهراً وحده ، وقرر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبية فقال : { رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي : خالقهما ، ومربيهما ، ومدبرها بجميع أنواع التدابير . { ٱلْعَزِيزُ } الذي له القوة ، التي بها خلق المخلوقات العظيمة . { ٱلْغَفَّارُ } لجميع الذنوب ، صغيرها وكبيرها ، لمن تاب إليه وأقلع منها . فهذا الذي يحب ويستحق أن يعبد ، دون من لا يخلق ولا يرزق ، ولا يضر ولا ينفع ، ولا يملك من الأمر شيئاً ، وليس له قوة الاقتدار ، ولا بيده مغفرة الذنوب والأوزار . { قُلْ } لهم ، مخوفاً ومحذراً ، ومنهضاً لهم ومنذراً : { هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } أي : ما أنبأتكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال ، خبر عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه ، ولا ينبغي إغفاله ، ولكن { أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } كأنه ليس أمامكم حساب ولا عقاب ولا ثواب ، فإن شككتم في قولي ، وامتريتم في خبري ، فإني أخبركم بأخبار لا علم لي بها ولا درستها في كتاب ، فإخباري بها على وجهها ، من غير زيادة ولا نقص ، أكبر شاهد لصدقي ، وأدلُّ دليل على حق ما جئتكم به ، ولهذا قال : { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ } أي : الملائكة { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } لولا تعليم اللّه إياي ، وإيحاؤه إليّ ، ولهذا قال : { إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي : ظاهر النذارة ، جليها ، فلا نذير أبلغ من نذارته صلى اللّه عليه وسلم . ثم ذكر اختصام الملأ الأعلى فقال : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ } على وجه الإخبار { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } أي : مادته من طين { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي : سويت جسمه وتم ، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } فوطَّن الملائكة الكرام أنفسهم على ذلك ، حين يتم خلقه ونفخ الروح فيه ، امتثالاً لربهم ، وإكراماً لآدم عليه السلام ، فلما تم خلقه في بدنه وروحه ، وامتحن اللّه آدم والملائكة في العلم ، وظهر فضله عليهم ، أمرهم اللّه بالسجود . فسجدوا كلهم أجمعون إلاّ إبليس لم يسجد { ٱسْتَكْبَرَ } عن أمر ربه ، واستكبر على آدم { وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ } في علم اللّه تعالى . فـ { قَالَ } اللّه موبخاً ومعاتباً : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } أي : شرفته وكرمته واختصصته بهذه الخصيصة ، التي اختص بها عن سائر الخلق ، وذلك يقتضي عدم التكبر عليه . { أَسْتَكْبَرْتَ } في امتناعك { أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } . { قَالَ } إبليس معارضاً لربه ومناقضاً : { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } وبزعمه أن عنصر النار خير من عنصر الطين ، وهذا من القياس الفاسد ، فإن عنصر النار مادة الشر والفساد ، والعلو والطيش والخفة وعنصر الطين مادة الرزانة والتواضع ، وإخراج أنواع الأشجار والنباتات ، وهو يغلب النار ويطفئها ، والنار تحتاج إلى مادة تقوم بها ، والطين قائم بنفسه ، فهذا قياس شيخ القوم ، الذي عارض به الأمر الشفاهي من اللّه ، قد تبين غاية بطلانه وفساده ، فما بالك بأقيسة التلاميذ الذين عارضوا الحق بأقيستهم ؟ فإنها كلها أعظم بطلاناً وفساداً من هذا القياس . فـ { قَالَ } اللّه له : { فَٱخْرُجْ مِنْهَا } أي : من السماء والمحل الكريم . { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } أي : مبعد مدحور . { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ } أي : طردي وإبعادي { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } أي : دائماً أبداً . { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } لشدة عداوته لآدم وذريته ، ليتمكن من إغواء من قدر اللّه أن يغويه . فـ { قَالَ } اللّه مجيباً لدعوته ، حيث اقتضت حكمته ذلك : { فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } حين تستكمل الذرية ، يتم الامتحان . فلما علم أنه مُنْظَر ، بادى ربه ، من خبثه ، بشدة العداوة لربه ولآدم وذريته فقال : { فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يحتمل أن الباء للقسم ، وأنه أقسم بعزة اللّه ليغوينهم كلهم أجمعين . { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } علم أن الله سيحفظهم من كيده . ويحتمل أن الباء للاستعانة ، وأنه لما علم أنه عاجز من كل وجه ، وأنه لا يضل أحداً إلا بمشيئة اللّه تعالى ، فاستعان بعزة اللّه على إغواء ذرية آدم هذا ، وهو عدو اللّه حقاً . ونحن يا ربنا العاجزون المقصرون ، المقرون لك بكل نعمة ، ذرية من شرفته وكرمته ، فنستعين بعزتك العظيمة وقدرتك ، ورحمتك الواسعة لكل مخلوق ، ورحمتك التي أوصلت إلينا بها ما أوصلت من النعم الدينية والدنيوية ، وصرفت بها عنا ما صرفت من النقم ، أن تعيننا على محاربته وعداوته ، والسلامة من شره وشركه ، ونحسن الظن بك أن تجيب دعاءنا ، ونؤمن بوعدك الذي قلت لنا : { وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] فقد دعوناك كما أمرتنا ، فاستجب لنا كما وعدتنا . { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } [ آل عمران : 194 ] . { قَالَ } اللّه تعالى { فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } أي : الحق وصفي ، والحق قولي { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } فلما بين الرسول للناس الدليل ووضح لهم السبيل قال الله له : { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي : على دعائي إياكم { مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } أدعي أمراً ليس لي ، وأقفو ما ليس لي به علم ، لا أتبع إلا ما يوحى إليَّ . { إِنْ هُوَ } أي : هذا الوحي والقرآن { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } يتذكرون به كل ما ينفعهم من مصالح دينهم ودنياهم ، فيكون شرفاً ورفعة للعاملين به ، وإقامة حجة على المعاندين . فهذه السورة العظيمة ، مشتملة على الذكر الحكيم ، والنبأ العظيم ، وإقامة الحجج والبراهين ، على مَنْ كذّب بالقرآن وعارضه ، وكذّب مَنْ جاء به ، والإخبار عن عباد اللّه المخلصين ، وجزاء المتقين والطاغين . فلهذا أقسم في أولها بأنه ذو الذكر ، ووصفه في آخرها بأنه ذكر للعالمين . وأكثر التذكير بها فيما بين ذلك ، كقوله : { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا } [ ص : 17 ] - " واذكر عبادنا " - { رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ } [ الأنبياء : 84 ] { هَـٰذَا ذِكْرٌ } [ ص : 49 ] . اللهم علمنا منه ما جهلنا ، وذكرنا منه ما نسينا ، نسيان غفلة ونسيان ترك . { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ } أي : خبره { بَعْدَ حِينِ } وذلك حين يقع عليهم العذاب وتتقطع عنهم الأسباب .