Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 93, Ayat: 1-11)

Tafsir: Taysīr al-karīm ar-raḥmān fī tafsīr kalām al-mannān

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى ، وبالليل إذا سجى وادلهمَّت ظلمته ، على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم فقال : { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } أي : ما تركك منذ اعتنى بك ، ولا أهملك منذ رباك ورعاك ، بل لم يزل يربيك أحسن تربية ، ويعليك درجة بعد درجة . { وَمَا قَلَىٰ } ك الله أي : ما أبغضك منذ أحبك ، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده ، والنفي المحض لا يكون مدحاً ، إلا إذا تضمن ثبوت كمال ، فهذه حال الرسول صلى الله عليه وسلم الماضية والحاضرة ، أكمل حال وأتمها ، محبة الله له واستمرارها ، وترقيته في درج الكمال ، ودوام اعتناء الله به . وأما حاله المستقبلة ، فقال : { وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ } أي : كل حالة متأخرة من أحوالك ، فإن لها الفضل على الحالة السابقة . فلم يزل صلى الله عليه وسلم يصعد في درج المعالي ، ويمكن له الله دينه ، وينصره على أعدائه ، ويسدد له أحواله ، حتى مات ، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون ، من الفضائل والنعم ، وقرة العين ، وسرور القلب . ثم بعد ذلك ، لا تسأل عن حاله في الآخرة ، من تفاصيل الإكرام ، وأنواع الإنعام ، ولهذا قال : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة . ثم امتنَّ عليه بما يعلمه من أحواله [ الخاصة ] فقال : { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ } أي : وجدك لا أم لك ، ولا أب ، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه ، فآواه الله ، وكفّله جده عبد المطلب ، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب ، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين . { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ } أي : وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، فعلمَّك ما لم تكن تعلم ، ووفَّقك لأحسن الأعمال والأخلاق . { وَوَجَدَكَ عَآئِلاً } أي : فقيراً { فَأَغْنَىٰ } بما فتح الله عليك من البلدان ، التي جبيت لك أموالها وخراجها . فالذي أزال عنك هذه النقائص ، سيزيل عنك كل نقص ، والذي أوصلك إلى الغنى ، وآواك ونصرك وهداك ، قابِلْ نعمته بالشكران . [ ولهذا قال : ] { فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } أي : لا تسيء معاملة اليتيم ، ولا يضق صدرك عليه ، ولا تنهره ، بل أكرمه ، وأعطه ما تيسر ، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك . { وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } أي : لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه ، بنهر وشراسة خلق ، بل أعطه ما تيسر عندك أو ردّه بمعروف [ وإحسان ] . وهذا يدخل فيه السائل للمال ، والسائل للعلم ، ولهذا كان المعلم مأموراً بحسن الخلق مع المتعلم ، ومباشرته بالإكرام والتحنن عليه ، فإن في ذلك معونة له على مقصده ، وإكراماً لمن كان يسعى في نفع العباد والبلاد . { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } [ وهذا يشمل ] النعم الدينية والدنيوية { فَحَدِّثْ } أي : أثن على الله بها ، وخصصها بالذكر إن كان هناك مصلحة . وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق ، فإن التحدث بنعمة الله داع لشكرها ، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها ، فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن .