Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 17, Ayat: 72-72)

Tafsir: Ǧāmiʿ al-bayān ʿan taʾwīl āy al-Qurʾān

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي أشير إلـيه بقوله « هذه » ، فقال بعضهم : أشير بذلك إلـى النعم التـي عدّدها تعالـى ذكره بقوله : { وَلَقَدْ كَرَّمنا بَنِـي آدَمَ وَحَملناهُمْ فِـي البَرّ والبَحرِ وَرَزَقناهُمْ مِنَ الطَّيِّبـاتِ وَفَضَّلناهُمْ علـى كَثِـيرٍ مِـمَّنْ خَـلَقْنا تَفَضِيلاً } فقال : { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً } . ذكر من قال ذلك : حدثنا مـحمد بن الـمثنى ، قال : ثنا عبد الأعلـى ، قال : ثنا داود ، عن مـحمد بن أبـي موسى ، قال : سئل عن هذه الآية { وَمَنْ كانَ فِـي هذِهِ أعمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً } فقال : قال { وَلَقد كَرَّمنا بَنِـي آدَمَ وَحَمَلناهُمْ فِـي البَرّ والبَحرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبـاتِ وَفَضَّلْناهُمْ علـى كَثِـيرٍ مِـمَّنْ خَـلَقْنا تَفْضِيلاً } قال : من عمي عن شكر هذه النعم فـي الدنـيا ، فهو فـي الآخرة أعمى وأضلّ سبـيلاً . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ومن كان فـي هذه الدنـيا أعمى عن قدرة الله فـيها وحججه ، فهو فـي الآخرة أعمى . ذكر من قال ذلك : حدثنـي علـيّ بن داود ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنـي معاوية ، عن علـيّ ، عن ابن عبـاس ، قوله : { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى } يقول : من عمي عن قُدرة الله فـي الدنـيا { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } . حدثنـي مـحمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث ، قال : ثنا الـحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبـي نـجيح ، عن مـجاهد { فـي هَذِهِ أعْمَى } قال : الدنـيا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } يقول : من كان فـي هذه الدنـيا أعمى عما عاين فـيها من نعم الله وخـلقه وعجائبه { فَهُوَ فِـي الآخَرَةِ أعْمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً } فـيـما يغيب عنه من أمر الآخرة وأعمى . حدثنا مـحمد ، قال : ثنا مـحمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى } فـي الدنـيا فـيـما أراه الله من آياته من خـلق السموات والأرض والـجبـال والنـجوم { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ } الغائبة التـي لـم يرها { أعْمى وأضَلُّ سَبِـيلاً } . حدثنـي يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، وسئل عن قول الله تعالـى { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى وأضَلُّ سَبِـيلاً } فقرأ : { إنَّ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ لآياتٍ للْـمُؤْمِنِـينَ وفِـي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ } وقرأ : { وَمِنْ آياتِهِ أنْ خَـلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إذَا أنْتُـمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ } ، وقرأ حتـى بلغ : { وَلَهُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ كُلّ لَهُ قانِتُونَ } قال : كلّ له مطيعون ، إلا ابن آدم . قال : فمن كان في هذه الآيات التـي يعرف أنها منا ، ويشهد علـيها وهو يرى قدرتنا ونعمتنا أعمى ، فهو فـي الآخرة التـي لـم يرها أعمى وأضلّ سبـيلاً . وأولى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : ومن كان فـي هذه الدنـيا أعمى عن حجج الله علـى أنه الـمنفرد بخـلقها وتدبـيرها ، وتصريف ما فـيها ، فهو فـي أمر الآخرة التـي لـم يرها ولـم يعاينها ، وفـيـما هو كائن فـيها أعمى وأضلّ سبـيلاً : يقول : وأضلّ طريقاً منه فـي أمر الدنـيا التـي قد عاينها ورآها . وإنـما قلنا : ذلك أولـى تأويلاته بـالصواب ، لأن الله تعالـى ذكره لـم يخصص فـي قوله { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ } الدنـيا { أعْمَى } عمى الكافر به عن بعض حججه علـيه فـيها دون بعض ، فـيوجه ذلك إلـى عماه عن نعمه بـما أنعم به علـيه من تكريـمه بنـي آدم ، وحمله إياهم فـي البرّ والبحر ، وما عدّد فـي الآية التـي ذكر فـيها نعمه علـيهم ، بل عمّ بـالـخبر عن عماه فـي الدنـيا ، فهم كما عمّ تعالـى ذكره . واختلفت القراء فـي قراءة قوله { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } فكسرت القَراء جميعا الحرف الأوّل أعني قوله { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى } . وأما قوله { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } فإن عامة قرّاء الكوفـيـين أمالت أيضاً قوله : { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } . وأما بعض قرّاء البصرة فإنه فتـحه ، وتأوّله بـمعنى : فهو فـي الآخرة أشدّ عمى . واستشهد لصحة قراءته بقوله : { وأضَلُّ سَبِـيلاً } . وهذه القراءة هي أَوْلـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب للشاهد الذي ذكرنا عن قارئه كذلك ، وإنـما كره من كره قراءته كذلك ظناً منه أن ذلك مقصود به قصد عمى العينـين الذي لا يوصف أحد بأنه أعمى من آخر أعمى ، إذ كان عمى البصر لا يتفـاوت ، فـيكون أحدهما أزيد عمى من الآخر ، إلا بإدخال أشدّ أو أبـين ، فلـيس الأمر فـي ذلك كذلك . وإنـما قلنا : ذلك من عمى القلب الذي يقع فـيه التفـاوت ، فإنـما عُنِـي به عمى قلوب الكفـار ، عن حجج الله التـي قد عاينتها أبصارهم ، فلذلك جاز ذلك وحسُن . وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك ، قال أهل التأويـل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الـحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا سفـيان ، عن ابن أبـي نـجيح ، عن مـجاهد { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } قال : أعمى عن حجته فـي الآخرة .