Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 3, Ayat: 41-57)
Tafsir: Madārik at-tanzīl wa-ḥaqāʾiq at-taʾwīl
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
{ قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّي } « لِي » مدني وأبو عمرو { ءَايَةً } علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة بالشكر إذا جاءت { قَالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ } أي لا تقدر على تكليم الناس { ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } إلا إشارة بيد أو رأس أوعين أو حاجب وأصله التحرك ، يقال ارتمز إذا تحرك . واستثنى الرمز وهو ليس من جنس الكلام لأنه لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً ، أو هو استثناء منقطع . وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة عن تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذا قال { وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإبْكَـٰرِ } أي في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة والأدلة الظاهرة ، وإنما حبس لسانه عن كلام الناس ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر ، وأحسن الجواب ما كان منتزعاً من السؤال . والعشي من حين الزوال إلى الغروب ، والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى . { وَإِذْ } عطف على « إذ قالت امرأة عمران » أو التقدير واذكر إذا { قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ } روي أنهم كلموها شفاها { إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ } أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية { وَطَهَّرَكِ } مما يستقذر من الأفعال { وَٱصْطَفَـٰكِ } آخراً { عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء { يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ } أديمي الطاعة أو أطيلي قيام الصلاة { وَٱسْجُدِي } وقيل : أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة ، ثم قيل لها { وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلركِعِينَ } أي ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة ، أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم { ذٰلِكَ } إشارة إلى ما سبق من قصة حنة وزكريا ويحيـى ومريم { مِنْ أَنبَاءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ } أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين ، أو هي الأقلام التي كانوا يكتبون التوراة بها اختاروها للقرعة تبركاً بها { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف دل عليه « يلقون » كأنه قيل : يلقونها ينظرون أيهم يَكفل مريم أو ليعلموا أو يقولون { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً في التكفل بها { إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } أي اذكر { يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ } أي بعيسى { مِّنْهُ } في موضع جر صفة لكلمة { ٱسْمُهُ } مبتدأ وذكر ضمير الكلمة لأن المسمى بها مذكر { ٱلْمَسِيحُ } خبره والجملة في موضع جر صفة لـ « كلمة » . والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله « مشيحاً » بالعبرانية ومعناه المبارك كقوله : { وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ } [ مريم : 31 ] . وقيل : سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ ، أو لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة لا يستوطن مكاناً { عِيسَى } بدل من المسيح { ٱبْنَ مَرْيَمَ } خبر مبتدأ محذوف أي هو ابن مريم ، ولا يجوز أن يكون صفة لعيسى لأن اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى ابن مريم . وإنما قال « ابن مريم » إعلاماً لها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه « وَجِيهاً » ذا جاه وقدر « في الدُّنيا » بالنبوة والطاعة { وَٱلآخِرَةِ } بعلو الدرجة والشفاعة { وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } برفعه إلى السماء ، وقوله « وجيهاً » حال من « كلمة » لكونها موصوفة وكذا « ومن المقربين » أي وثابتاً من المقربين ، وكذا « ويكَلِّمُ النّاسَ » أي ومكلماً الناس في المهد حال من الضمير في « يكلم » أي ثابتاً في المهد وهو ما يمهد للصبي من مضجعه سمي بالمصدر { وَكَهْلاً } عطف عليه أي ويكلم الناس طفلاً وكهلاً أي يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحالة الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء { وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } حال أيضاً والتقدير يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات . { قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يقول له كن فيكون } أي إذا قدر تكون شيء كونه من غير تأخير لكنه عبر بقوله « كن » إخباراً عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه { وَيُعَلِّمُهُ } مدني وعاصم وموضعه حال معطوفة على « وجيهاً » . الباقون : بالنون على أنه كلام مبتدأ { الكتابَ } أي الكتابة وكان أحسن الناس خطاً في زمانه . وقيل : كتب الله { والحكمَةَ } بيان الحلال والحرام أو الكتاب الخط باليد . والحكمة : البيان باللسان { وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ * وَرَسُولاً } أي ونجعله رسولاً أو يكون في موضع الحال أي وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولاً { إِلَىٰ بَنِي إِسْرٰءِيلَ أَنّي } بأني { قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } بدلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة { أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ } نصب بدل من « أني قد جئتكم » أو جر بدل من « آية » أو رفع على « هي أني أخلق لكم » . « ِإنِّيَ » : نافع على الاستئناف { مِّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير { فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير { فَيَكُونُ طَيْرًا } فيصير طيراً كسائر الطيور . « طائراً » : مدني { بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بأمره . قيل : لم يخلق شيئاً غير الخفاش { وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ } الذي ولد أعمى { وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } كرر « بإذن الله » دفعاً لو هم من يتوهم فيه اللاهوتية . روي أنه أحيا سام بن نوح عليه السلام وهم ينظرون إليه فقالوا : هذا سحر مبين فأرنا آية فقال : يا فلان أكلت كذا ويا فلان خبىء لك كذا وهو قوله { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } و « ما » فيهما بمعنى « الذي » ، أو مصدرية { إِنَّ فِي ذَلِكَ } فيما سبق { لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } أي قد جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } رد على قوله « بآية من ربكم » أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم . وما حرم الله عليهم في شريعة موسى عليه السلام الشحوم ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر فأحل لهم عيسى بعض ذلك { وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } كرر للتأكيد { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في تكذيبي وخلافي { وَأَطِيعُونِ } في أمري { إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى { فَٱعْبُدُوهُ } دوني { هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم . { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } علم من اليهود كفراً علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس { قَالَ مَنْ أَنصَارِي } « أنصاري » مدني وهو جمع ناصر كأصحاب أو جمع نصير كأشراف { إِلَى ٱللَّهِ } يتعلق بمحذوف حال من الياء أي من أنصاري ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه { قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } حواريّ الرجل صفوته وخاصته { نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } أعوان دينه { آمنا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ } يا عيسى { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم ، وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد { رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ } أي رسولك عيسى { فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم ، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية ، أو مع أمة محمد عليه السلام لأنهم شهداء على الناس { وَمَكَرُواْ } أي كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه { وَمَكَرَ ٱللَّهُ } أي جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل ، ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء ، لأنه مذموم عند الخلق وعلى هذا الخداع والاستهزاء كذا في شرح التأويلات . { وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أقوى المجازين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب { إِذْ قَالَ ٱللَّهُ } ظرف لمكر الله { يٰعِيسَىٰ إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي مستوفي أجلك ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم { وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } إلى سمائي ومقر ملائكتي { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من سوء جوارهم وخبث صحبتهم . وقيل : متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته ، أو مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن ، إذ الواو لا توجب الترتيب . قال النبي عليه السلام " ينزل عيسى خليفة على أمتي يدق الصليب ويقتل الخنازير ويلبث أربعين سنة ، ويتزوج ويولد له ثم يتوفى وكيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي وفي وسطها " أو متوفي نفسك بالنوم ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب { وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ } أي المسلمين لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى { فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بك { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } في الآخرة { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وتفسير الحكم هاتان الآيتان فيوفيهم حفص .