Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 10, Ayat: 61-61)

Tafsir: al-Baḥr al-muḥīṭ

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر جملة من أحوال الكفار ومذاهبهم والرد عليهم ، ومحاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، وذكر فضله تعالى على الناس وأن أكثرهم لا يشكره على فضله ، ذكر تعالى اطلاعه على أحوالهم وحال الرسول معهم في مجاهدته لهم ، وتلاوة القرآن عليهم ، وأنه تعالى عالم بجميع أعمالهم ، واستطرد من ذلك إلى ذكر أولياء الله تعالى ، ليظهر التفاوت بين الفريقين فريق الشيطان وفريق الرحمن . والخطاب في قوله تعالى : وما تكون في شأن ، وما تتلوا للرسول صلى الله عليه وسلم وهو عام بجميع شؤونه عليه السلام . وما تتلوا مندرج تحت عموم شأن ، واندرج من حيث المعنى في الخطاب كل ذي شأن . وما في الجملتين نافية ، والضمير في منه عائد على شأن ، ومن قرآن تفسير للضمير ، وخص من العموم لأنّ القرآن هو أعظم شؤونه عليه السلام . وقيل : يعود على التنزيل ، وفسر بالقرآن لأنّ كل جزء منه قرآن ، وأضمر قبل الذكر على سبيل التفخيم له . وقيل : يعود على الله تعالى أي : وما تتلوا من عند الله من قرآن . والخطاب في قوله : ولا تعملون عام ، وكذا إلا كنا عليكم شهوداً . وولى إلا هنا الفعل غير مصحوب بقد ، لأنه قد تقدم الأفعل . والجملة بعد إلا حال وشهوداً رقباء نحصي عليكم ، وإذ معمولة لقوله : شهوداً . ولما كانت الأفعال السابقة المراد بها الحالة الدائمة وتنسحب على الأفعال الماضية كان الظرف ماضياً ، وكان المعنى : وما كنت في شأن وما تلوت من قرآن ولا عملتم من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ أفضتم فيه . وإذ تخلص المضارع لمعنى الماضي ، ولما كان قوله : إلا كنا عليكم شهوداً فيه تحذير وتنبيه عدل عن خطابه صلى الله عليه وسلم إلى خطاب أمته بقوله : ولا تعملون من عمل ، وإن كان الله شهيداً على أعمال الخلق كلهم . وتفيضون : تخوضون ، أو تنشرون ، أو تدفعون ، أو تنهضون ، أو تأخذون ، أو تنقلون ، أو تتكلمون ، أو تسعون ، أقوال متقاربة ثم واجهه تعالى بالخطاب وحده في قوله : وما يعزب عن ربك ، تشريفاً له وتعظيماً . ولما ذكر شهادته تعالى على أعمال الخلق ناسب تقديم الأرض الذي هي محل المخاطبين على السماء ، بخلاف ما في سورة سبأ ، وإن كان الأكثر تقديمها على الأرض . وقرأ ابن وثاب ، والأعمش ، وابن مصرف ، والكسائي ، يعزب بكسر الزاي ، وكذا في سبأ . والمثقال اسم لا صفة ، ومعناه هنا وزن ذرة . والذر صغار النمل ، ولما كانت الذرة أصغر الحيوان المتناسل المشهور النوع عندنا جعلها الله مثالاً لأقل الأشياء وأحقرها ، إذ هي أحقر ما نشاهد . ثم قال : ولا أصغر من ذلك أي : من مثقال ذرة . ولما ذكر تعالى أنه لا يغيب عن علمه أدق الأشياء التي نشاهدها ، ناسب تقديم ولا أصغر من ذلك ، ثم أتى بقوله : ولا أكبر ، على سبيل إحاطة علمه بجميع الأشياء . ومعلوم أنّ من علم أدق الأشياء وأخفاها كان علمه متعلقاً بأكبر الأشياء وأظهرها . وقرأ الجمهور : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بفتح الراء فيهما ، ووجه على أنه عطف على ذرة أو على مثقال على اللفظ . وقرأ حمزة وحده : برفع الراء فيهما ، ووجه على أنه عطف على موضع مثقال لأن من زائدة فهو مرفوع بيعزب ، هكذا وجهه الحوفي وابن عطية وأبو البقاء . وقال الزمخشري تابعاً لاختيار الزجاج : والوجه النصب على نفي الجنس ، والرفع على الابتداء ، يكون كلاماً مبتدأ . وفي العطف عل محل مثقال ذرة أو لفظه فتحاً في موضع الجر أشكال ، لأنّ قولك : لا يعزب عنه شيء إلا في كتاب مشكل انتهى . وإنما أشكل عنده ، لأنّ التقدير يصير إلا في كتاب فيعزب ، وهذا كلام لا يصح . وخرجه أبو البقاء على أنه استثناء منقطع تقديره : لكن هو في كتاب مبين ، ويزول بهذا التقدير الإشكال . وقال أبو عبد الله الرازي : أجاب بعض المحققين من وجهين : أحدهما : أنّ الاستثناء منقطع ، والآخر أنّ العزوب عبارة عن مطلق البعد ، والمخلوقات قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض ، وقسم أوجده بواسطة القسم الأول مثل الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، وهذا قد يتباعد في سلسلة العلية والمملوكية عن مرتبة وجود واجب الوجود ، فالمعنى : لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين ، كتبه الله ، وأثبت صور تلك المعلومات فيها انتهى ، وفيه بعض تلخيص . وقال الجرجاني صاحب النظم : إلا بمعنى الواو أي : وهو في كتاب مبين . والعرب تضع إلاّ موضع واو النسق كقوله : { إلا من ظلم } [ النمل : 11 ] { إلا الذين ظلموا منهم } [ البقرة : 150 ] انتهى . وهذا قول ضعيف لم يثبت من لسان العرب وضع إلا موضع الواو ، وتقدم الكلام على قوله : { إلا الذين ظلموا منهم } [ البقرة : 150 ] وسيأتي على قوله : إلا من ظلم إن شاء الله تعالى .