Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 6, Ayat: 73-76)

Tafsir: Naẓm ad-durar fī tanāsub al-ayāt wa-s-suwar

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات والأرض - في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما ، أو شاركاً فيهما . فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته ، قال تعالى منبهاً لهم من غفلتهم وموقظاً من رقدتهم معيداً الدليل الذي ذكره أول السورة على وجه آخر : { وهو } أي وحده { الذي خلق } أي أوجد واخترع وقدر { السماوات والأرض } أي على عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر { بالحق } أي بسبب إقامة الحق ، وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من القيام ، فوجب على كل من يعلم أن الله حكيم خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد بعد موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم ، فيبطل كل باطل ويحق كل حق ، ويظهر الحكم لجميع الخلق . ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد ، قرر قدرته عليها بقوله : { ويوم يقول } أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار { كن فيكون * } أي فهو يكون لا يتخلف أصلاً . ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره ، علله فقال : { قوله الحق } أي لا قول غيره ، لأن أكثر قول غيره باطل ، لأنه يقول شيئاً فلا يكون ما أراد ؛ ولما كان في مقام الترهيب من سطوته ، قال مكرراً لقوله " وهو الذي إليه تحشرون " : { وله } أي وحده بحسب الظاهر والباطن { الملك يوم } ولما كان المقصود تعظيم النفخة ، بني للمفعول قوله : { ينفخ في الصور } لانقطاع العلائق بين الخلائق ، لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب ، وقولُه - : { عالم الغيب } وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه { والشهادة } وهو ما صار بحيث يطلع عليه الخلق - مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه من تمام الترهيب ، أي أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالكم ، فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب ، ويذهب التعاضد والتعاون ، وهو على عادته سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلاّ قرر فيه أصلين : القدرة على جميع الممكنات ، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات ، لأنه لا يقدر على البعث إلا من جمع الوصفين { وهو } أي وحده { الحكيم } أي التام الحكمة ، فلا يضع شيئاً في غير محله ولا على غير أحكام ، فلا معقب لأمره ، فلا بد من البعث { الخبير * } بجميع الموارد والمصادر ، فلا خفاء لشيء من أفعال أحد من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب . ولما كان مضمون هذه الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة الهادمة لمذهب الثنوية ، وهم أهل فارس قوم إبراهيم عليه السلام ، وكان إبراهيم عليه السلام يعرف بفضله جميع الطوائف ، لأن أكثرهم من نسله كاليهود والنصارى والمشركين من العرب ، والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه لله تعالى وانتصابه لمحاجة من أشرك به واحتمال الأذى فيه سبحانه ، تلاها بمحاجته لهم بما أبطل مذهبهم وأدحض حججهم فقال : { وإذ } أي اذكر ذلك المتقدم كله لهم في الدلائل على اختصاصنا بالخلق وتمام القدرة ، ما أعظمه وما أجله وأضخمه ! وتفكر في عجائبه وتدبر في دقائقه وغرائبه تجد ما لا يقدر على مثله إلا الله ، واذكر إذ { قال إبراهيم } أي اذكر قوله ، وحكمة التذكير بوقته التنبيهُ على أن هذا لم يزل ثابتاً مقرراً على ألسنة جميع الأنبياء في جميع الدهور ، وكان في هذه المحاجة التصريح بما لوح إليه أول هذه السورة من إبطال هذا المذهب ، وانعطف هذا على ذاك أيّ انعطاف ! وصار كأنه قيل : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام والنجوم والنور والظلمة ، فنبههم يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا ، اذكر لهم أني أنا الذي خلقتهم وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض ، فإن تنبهوا فهو حظهم ، وإلا فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم عليه السلام إذ قال { لأبيه } ثم بينه في قراءة الجر بقوله : { آزر } وناداه في قراءة يعقوب بالضم ؛ قال البخاري في تاريخه الكبير : إبراهيم بن آزر , وهو في التوراة : تارح - انتهى . وقد مضى ذلك عن التوراة في البقرة ، فلعل أحدها لقب ، وكان أهل تلك البلاد وهم الكلدانيون ، ويقال لهم أيضاً الكسدانيون - بالمهملة موضع اللام - يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض ويجعلون لكل نجم صنماً ، إذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم - كما زعموا - إلى النجم ، فقال عليه السلام لأبيه منكراً عليه منبهاً له على ظهور فساد ما هو مرتكبه : { أتتخذ } أي أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل { أصناماً آلهة } أي تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر ، فنبهه بهذا الإنكار على أن معرفة بطلان ما هو متدين به لا يحتاج إلى كثير تأمل ، بل هو أمر بديهي أو قريب منه ، فإنهم يباشرون أمرها بجميع جوانبهم ويعلمون أنها مصنوعة وليست بصانعة ، وكثرتها تدل على بطلان إلهيتها بما أشار إليه قوله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } [ الأنبياء : 22 ] . ولما خص بالنصيحة أقرب الخلق إليه ، عم بقية أقاربه فقال : { إني أراك وقومك } أي في اتفاقكم على هذا { في ضلال } أي بُعد عن الطريق المستقيم { مبين * } أي ظاهر جداً ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبي نبأه الله تعالى من آدم عليه السلام فمن بعده ، فهو مع ظهوره في نفسه مظهر للحق من أن الإله لا يكون إلا كافياً لمن يعبده ، وإلا كان فقيراً إلى تأله من يكفيه . ولما كان كأنه قيل : بصرنا إبراهيم عليه السلام هذا التبصير في هذا الأمر الجريء من بطلان الأصنام ، قال عاطفاً عليه : { وكذلك } أي ومثل هذا التبصير العظيم الشأن ، وحكى الحال الماضية بقوله : { نري } أي بالبصر والبصيرة على مر الزمان وكر الشهور والأعوام إلى ما لا آخر له بنفسه والصلحاء من أولاده { إبراهيم ملكوت } أي باكن ملك التوحيد فيعلم أن كل من عبد غير الله صنم وغيره من قومه وغيرهم في ضلال ، كما علم ذلك في قومه في الأصنام { وليكون من الموقنين * } أي الراسخين في وصف الإيقان في أمر التوحيد كله بالنسبة إلى جميع الجزئيات لما أريناه ببصره وبصيرته ، فتأمل فيه حتى وقع فيه بعد علم اليقين على عين اليقين بل حق اليقين . ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق : دانيهم وقاصيهم ، وهي أشرف من الأرضية ، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى ؛ نصب لهم الحجاج في أمرها ، فقال مسبباً عن الإراءة المذكورة : { فلما جن } أي ستر وأظلم ، وقصره - وإن كان متعدياً - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة ، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال : { عليه الّيل } أي وقع الستر عليه ، فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء { رأى كوكباً } أي قد بزغ ، فكأنه قيل : فماذا فعل ؟ فقيل : { قال هذا ربي } فكأنه مِنْ بَصْرِه أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبراً واستفهاماً ، ليوهمهم أنه مخبر ، فيكون ذلك انفى للغرض وأنجى من الشعب ، فيكون أشد استجلاباً لهم إلى إنعام النظر وتنبيهاً على موضع الغلط وقبول الحجة ، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله : { فلما أفل } أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان { قال لا أحب الآفلين * } لأن الأفول حركة ، والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه ، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولاً عن اعتقاد ربوبية الكواكب ، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقناً ، فاسند الأمر إلى نفسه تنبيهاً لهم ، واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه اتم ، ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود ، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال { وأن إلى ربك المنتهى } [ النجم : 42 ] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة ، فلا بد من الأستناد إلى قديم ، والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه ، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية ، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين ، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير ، فإذا كان نازلاً إلى المغرب كان ضعيف الأثر ، والإله هو من لا يتغير ، وهذا الاستدلال برهان في أن أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد .