Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 79, Ayat: 29-37)

Tafsir: Naẓm ad-durar fī tanāsub al-ayāt wa-s-suwar

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

ولما كان كل من ذلك يدل على القدرة على البعث لأنه إيجاد ما هو أشد من خلق الآدمي من عدم ، أتبعه ما يتصور به البعث في كل يوم وليلة مرتين فقال : { وأغطش } أي أظلم إظلاماً لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء { ليلها } أي بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت عليه . وأضافه إليها لأنه يحدث بحركتها ، وبدأ به لأنه كان أولاً ، والعدم قبل الوجود { وأخرج ضحاها * } بطلوع شمسها فأضاء نهارها ، فالآية من الاحتباك : دل بـ " أغطش " على " أضاء " وبإخراج الضحى على إخفاء الضياء ، ولعله عبر بالضحى عن النهار لأنه أزهر ما فيه وأقوى نوراً . ولما بدأ بدلالة العالم العلوي لأنه أدل لما فيه من العجائب والمنافع مع كونه أشرف ، فذكر أنه أتقن السماء التي هي كالذكر ، ثنى بأنه سوى ما هي لها كالأنثى فقال : { والأرض } ولما كان المراد استغراق الزمان باستمرار الدحو ، حذف الخافض فقال : { بعد ذلك } أي المذكور كله { دحاها } أي بسطها ومدها للسكنى وبقية المنافع بعد أن كان خلقها وأوجدها قبل إيجاد السماء غير مسواة بالفعل ولا مدحوة . ولما ذكر الدحو ، أتبعه ما استلزمه من المنافع لتوقف السكنى المقصودة بالدحو عليه فقال كالمبين له من غير عاطف : { أخرج منها } أي الأرض { ماءها } بتفجير العيون ، وإضافته إليها دليل على أنه فيها { ومرعاها * } الذي يخرج بالماء ، والمراد ما يرعى منها ومكانه وزمانه . ولما ذكر الأرض ومنافعها ، ذكر المراسي التي تم بها نفعها فقال : { والجبال } أي خاصة { أرساها * } أي أثبتها وأقرها ومع كونها ثابتة لا تتحول فإنه سبحانه جعلها مراسي للأرض تكون سبباً لثباتها كما أن المراسي سبب لثبات السفينة . ولما كانت الإعادة واضحة من تناول الحيوان المأكل والمشرب وغيرهما من المتاع فإنه كلما نقص منه شيء تناول ما قدر له ليعود ذلك أو بعضه ، قال منبهاً على أنه كل يوم في إعادة بانياً حالاً مما تقدم تقديره : حال كونها { متاعاً } مقدراً { لكم } تتمتعون بما فيها من المنافع { ولأنعامكم * } أي مواشكيم بالرعي وغيره . ولما ذكر ما دل على البعث ، أتبعه ما يكون عن البعث مسبباً عنه دلالة على أن الوجود ما خلق إلا لأجل البعث لأنه محط الحكمة : { فإذا جاءت } أي بعد الموت { الطامة الكبرى * } أي الداهية الدهياء التي تطم - أي تعلو - على سائر الدواهي وتغطيها فتكون أكبر داهية توجد ، وهي البعث بالنفخة الثانية - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، والعامل في " إذا " محذوف تقديره : فصل الناس إلى شقي وسعيد . ولما كان الشيء لا يعرف قدره إذا كان غائباً إلا بما يكون فيه ، قال مبدلاً منه : { يوم يتذكر } أي تذكراً عظيماً ظاهراً - بما أشار إليه الإظهار { الإنسان } أي الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له { ما سعى * } أي عمل كله من خير وشر لأنه يراه في صحيفة أعماله ، والإخبار عن تذكره منبهاً على ما في ذلك اليوم من الخطر لأن أحداً لا يعمل جهده في تذكره إلا لمحوج إلى ذلك وهو الحساب وتدوينه في صحيفة أعماله . ولما أشار إلى الحساب ذكر ما بعده فقال : { وبرزت } أي أظهرت إظهاراً عظيماً ، وبناه للمفعول لأن الهائل مطلق تبريزها لا كونه من معين ، مع الدلالة على الخفة والسهولة لكونه على طريقة كلام القادرين { الجحيم } أي النار التي اشتد وقدها وحرها { لمن يرى * } أي كائناً من كان لأنه لا حائل بين أحد وبين رؤيتها ، لكن الناجي لا يصرف بصره إليها فلا يراها كما قال تعالى : { لا يسمعون حسيسها } [ الأنبياء : 102 ] . ولما كان جواب " إذا " كما مضى محذوفاً ، وكان تقديره أن قسم الناس قسمين : قسم للجحيم وقسم للنعيم ، قال تعالى مسبباً عنه مفصلاً : { فأما من طغى * } أي تجاوز الحد في العدوان فلم يخش مقام ربه ، قال في القاموس : طغى : جاوز القدر وارتفع وطغى : غلا في الكفر وأسرف في المعاصي والظلم ، والماء : ارتفع .