Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 12, Ayat: 88-92)

Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قلت : من يتق ويصبر : من قرأ بالياء : أجرى الموصول مجرى الشرط لعمومه وإبهامه ، فعطف على صلته بالجزم ، ومنه قول الشاعر : @ كذَلِكَ الذي يَبْغي عَلَى النَّاسِِ ظَالِماً تُصْبه عَلَى رغمِ عَوَاقِبُ مَا صَنَعْ @@ يقول الحق جل جلاله : { فلما دخلوا عليه } على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة ، { قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضُّرُّ } شدة الجوع { وجئنا } إليك { ببضاعةٍ مُّزجَاةٍ } : رديئة ، أو قليلة ، أو ناقصة ، تدفع وترد من أزجيته ، دفعته . ومنه : { يُزْجِي سَحَاباً } [ النور : 43 ] قيل : كانت دراهم زيوفاً وقيل : الصنوبر وحبة الخضراء . وقيل : سَويق المُقْل أي : الدوم . وقيل : عروضاً . { فأوْف لنا الكَيْلَ } : أتممه لنا ، { وتصدَّقْ علينا } بالمسامحة ، وقبول المزجاة ، أو بالزيادة على ثمننا . وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، وهو خلاف المشهور . أو برد أخينا ، { إن الله يجزي المتصدّقين } أحسن الجزاء . والتصدق : التفضل مطلقاً ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في القصر : " هذهِ صَدَقةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَيكُمْ بها ، فاقبلوا صدقته " . رُوي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه ، أرسل معهم كتاباً ونصه : بسم الله الرَّحمن الرحيم ، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر ، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا ، يا من أعتز بعز الله ، فالله يُعِزُ من يشاء ، ويُذل من يشاء ، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي ، وقطع الحزن أوصالي ، وإني ناهٍ إلى الإقراح ، دائم البكاء والصياح ، وإني من نطفة آباء كرام ، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص ! وقد أخبرت أنك وضعت الصَّاع بالليل في رحل ولدي الأصغر ، وإني حزين عليه كما كنتُ حزيناً على أخيه الفقيد ، حزناً دائماً سرمداً شديداً . وإن كنت أفجعتني في الآخرة فإن قلبي لا محالة طائر . ثم ختمه بالسلام . فلما دفعوه ليوسف قرأه . وبكى بكاء شديداً ، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضاً . ثم نزل عن سريره ، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعْر لما باعوه بخطوط شهادتهم ، كان أخذه من مالك حين باعه . فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم ، وبُهتوا ، فقال لهم : { هلْ علمتم ما فعلتم بيوسفَ وأخيه } من إيذاء يوسف ، وتفريقه من أبيه ، ومضرة أخيه من بعده ، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه ، أي : هل علمتم قبحة فتبتم منه ؟ قاله نصحاً وتحريضاً لهم على التوبة . { إذ أنتم جاهِلَون } أي : فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قُبح ذلك . وإنما سماهم جاهلين لأن فعلهم حينئذٍ فعل الجهال ، أو لأنهم حينئذٍ كانوا صبياناً طياشين ، فعرفوه حينئذٍ على ظن ، فقالوا : { أئنك لأنتَ يوسف } ؟ بالاستفهام التقريري . وقرأ ابن كثير على الإيجاب . قيل : عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم . وقيل : تبسم فعرفوه بثناياه . وقيل : رفع التاج عن رأسه فعرفوه بِشَامةٍ كانت في رأسه بيضاء ، وكانت لسارة يعقوب مثلها . { قال } لهم : { أنا يوسف وهذا أخي } من أبي وأمي . ذكره تعريفاً لنفسه به ، وتفخيماً لشأنه ، وإدخالاً له في المنة بقوله : { قد مَنّ الله علينا } بالسلامة والكرامة والعز . { إنه من يتقِ } الله { ويصبرْ } على بلواه ، وعلى طاعته وتقواه { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ، وضع المحسنين موضع المضمر تنبيهاً على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى . فمن اتقى الله وصبر فهو محسن … { قالوا تالله لقد آثَرَكَ اللهُ علينا } بحسن الصورة وكمال السيرة ، أو فضلك علينا رغماً على أنفنا ، { وإن كنا لخاطئين } أي : والحال أن شأننا أنَّا كنا مذنبين فيما فعلنا معك . { قال لا تثريبَ } : لا عتاب { عليكم اليوم } أي : لا عقوبة عليكم في هذا اليوم . ثم دعا لهم فقال : { يغفرُ الله لكم } ، فيوقف على اليوم . وقيل : يتعلق بيغفر ، فيوقف على ما قبله ، وهو بعيد لأنه تحكم على الله ، وإنما يصلح أن يكون دعاء ، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء ، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله : { لا تثريب عليكم اليوم } ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه . قاله ابن جزي ، وصدر به البيضاوي . وبه تعلم ضعف وقف الهبطي . ثم قال في تمام دعائه : { وهو أرحمُ الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر ، ويتفضل على التائب . قال البيضاوي : ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له ، وقالوا : إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام ، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك ، فقال لهم : إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى ، ويقولون : سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ، ولقد شَرُفْت بكم ، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي ، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام . هـ . الإشارة : من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار ، فليدخل من باب الذل والانكسار . وفي الحِكَم : " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار ، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار " . فإذا قرعت الباب ، ورمت الدخول مع الأحباب ، فقل بلسان التضرع والانكسار : يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر ، وهو البعد والغفلة ، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول ، وقلب معلول ، فأوْفِ لنا ما أملناه من الجزاء المأمول ، وتفضل علينا بالقبول والوصول ، وقل : اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم ، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان ، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان . هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم ، واستقلوا بضاعتهم ، وأحضروا شكايتهم ، سمح لهم وقربهم ، وكشف لهم عن وجهه الجميل ، ومنحهم العطاء الجزيل ، فما ظنك بالرب العظيم الجليل ، الذي هو أرحم الراحمين ، ومحل أمل القاصدين . ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم والإتيان به وبمن معه من أولادهمِ ، فقال : { ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا } .