Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 45, Ayat: 1-6)
Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قلت : { واختلاف الليل والنهار … } الآية فيها العطف على عاملين ، سواء نصبت " آيات " أو رفعتها ، فالعاملان إذا نصبت " إن " و " في " أقيمت الواو مقامهما ، فعملت الجر في { واختلاف } والنصب في { آيات } ، وإذا رفعت فالعاملان الابتداء ، وحرف " في " عملت الواو الرفع في " آيات " والجرّ في " واختلاف " وهذا مذهب الأخفش ، فإنه يُجوِّز العطفَ على عاملين ، وأما سيبويه فلا يُجيزه ، وتخريج الآية عنده : أن يكونَ على إضمار " في " ، والذي حسّنه : تقديم ذكر " في " الآيتين قبله ، ويؤيده : قراءة ابن مسعود رضي الله عنه { وفي اختلاف الليل والنهار } وفيها أوجه أُخر . يقول الحق جلّ جلاله : { حمۤ } يا حبيب يا مجيد هذا { تنزيلُ الكتاب من الله العزيز الحكيم } فكونه من الله عزّ وجل دلّ أنه حق وصدق وصواب ، وكونه من العزيز دلَّ أنه معجز ، ، يَغلِب ولا يُغلب ، وكونه من الحكيم دلّ أنه مشتمل على الحِكَم البالغة ، وأنه محكَم في نفسه ، يَنسِخ ولا يُنْسَخ . ثم برهن على عزته ، وباهر حكمته ، فقال : { إِنَّ في خلق السماوات والأرض } إِما في نفس السماوات والأرض فإن في شكلهما من بدائع وفنون الحِكَم ما يقصر عنه البيان ، وإما في خلقهما وإظهارهما ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } [ آل عمران : 190 ] { لآياتٍ للمؤمنين } لدلالاتٍ على وحدانيته تعالى لأهل الإيمان ، وهو الأوفق بقوله : { وفي خلقِكم } أي : من نطفة ثم من علقة متقلبة من أطوار مختلفة إلى تمام الخلق ، { وما يَبُتُّ من دابةٍ } عطف على المضاف دون المضاف إليه ، أي : وفي خلق ما يبث ، أي : ينشر ويُصرّف من دابة { آياتٌ } ظاهرة على باهر قدرته وحكمته ، { لقومٍ يُوقنون } أي : من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه ، ويعرفوا فيها صانعها ، { وفي اختلاف الليل والنهار } أي : تعاقبهما بالذهاب والمجيء ، أو : تفاوتهما طولاً ، وقصراً ، { و } في { ما أنزل اللّهُ من السماءِ مِن رزقٍ } مطر لأنه سبب الرزق ، فعبَّر عن السبب بالمسبب لأنه نتيجته ، تنبيهاً على كونه آية من جهة القدرة والرحمة ، { فأحيا به الأرضَ } بأن أخرج أصناف الزرع والثمرات والنبات { بعد موتها } أي : خلُوها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها ، وخُلوا أشجارها عن الثمار والأزهار . { وتصريفِ الرياح } أي : هبوبها من جهة إلى أخرى ، ومن حال إلى حال ، وتأخيره عن نزول المطر مع تقدمه عليه في الوجود ، إما للإيذان بأنه آية مستقلة ، ولو روعي الترتيب الوجودي لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح ونزول المطر آية واحدة ، أو : لأن كون التصريف آية ليس مجرد كونه مبتدأ لإنشاء المطر ، بل له ولسائر المنافع ، التي من جملتها : سوق السفن في البحار ، وإلقاح الأشجار ، { آياتٌ لقوم يعقلون } يتدبّرون بعقولهم ، فيصلون إلى صريح التوحيد . وفي تقديم الإيمان على الإيقان ، وتأخير تدبُّر العقل لأن العباد إذا نظروا في السموات والأرض نظراً صحيحاً علموا أنها مصنوعة ، وأنه لا بُدَّ لها من صانع ، فآمنوا بالله ، وإذا نظروا في خلق أنفسهم ، وتنقلها من حالٍ إلى حال ، وفي خلق ما ظَهَرَ على ظَهْر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً وأيقنوا ، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت ، كتعاقب الليل والنهار ، ونزول الأمطار ، وحياة الأرض بعد موتها ، وتصريف الرياح ، جنوباً وشمالاً ، ودَبوراً وصباً ، عقِلوا ، واستحكم في عقولهم ، وخلص يقينهم ، فكانوا من ذوي الألباب . { تلك آياتُ الله } مبتدأ وخبر ، و { نتلُوها عليك } حال ، العامل : معنى الإشارة ، أي : تلك الآيات المتقدمة هي آيات الله الدالة على وجوب وجوده واتصافه بأوصاف الكمال ، حال كونها متلوةً عليك ، ملتبسة { بالحق } أو : نتلوها محقين في ذلك : فالجار والمجرور : حال من المفعول أو الفاعل . { فبأيّ حديثٍ } من الأحاديث { بعد الله وآياتهِ } أي : بعد آيات الله ، كقولك : أعجبني زيد وكرمه ، أي : أعجبني كرم زيد ، أو : بعد حديث الله ، الذي هو القرآن ، وآياته العامة في كل شيء ، فيكون على حذف مضاف ، أو : يُراد بها القرآن أيضاً ، والعطف للتغاير العنواني ، فالأول من جهة كونه حديثاً حسناً ، والثاني باعتبار كونه معجزاً ، أي : فبأي حديثٍ بعد أحسن الحديث وأبهر الآيات { يؤمنون } يُصدِّقون ؟ ! ومَن قرأ بالخطاب يُقدر : قل يا محمد . الإشارة : قال القشيري : الحاء تدل على حياته ، والميم تدل على مودته ، كأنه قال : بحق حياتي ومودتي لأوليائي ، لا شيء أعز على أحبائي من لقائي ، العزيزُ في جلاله ، الحكيم في فعاله ، العزيز في أزله ، الحكيم في لُطفه بالعبد بوصف إقباله . قوله تعالى : { إِنَّ في السماوات والأرض … } الآية شواهد الربوبية لائحةٌ ، وأدلة الإلهية واضحةٌ ، فَمَنْ صحا فكره عن سُكر الغفلة ، ووضعَ سِرَّه في محل العِبْرة ، حَظِيَ - لا محالة - بحقائق الوصلة . هـ . قلت : إنما يحظى بالوصلة إذا نفذت بصيرته إلى شهود المكوِّن ، ولم يقف مع شيء من حس الكائنات ، بل نفذ إلى ما فيها من أسرار المعاني ، فعرف فيها مولاها ، وشاهد فيها المتجلي بها ، وإلا بَقِيَ مسجوناً محصوراً في ذاته . قوله تعالى : { وفي خلقكم … } الآية ، قال القشيري : إذا أنعم العبدُ النظرَ في استواء قدِّه وقامته ، واستكمال خلقه ، وتمام تمييزه ، وما هو مخصوص به من جوارحه وحوائجه ، ثم فكّر فيما عداه من الدواب ، وأجزائها وأعضائها ، ووقف على اختصاصه ، وامتياز بني آدم من بين البريَّة من الحيوانات ، في الفهم والعقل والتمييز والعلم ، ثم في الإيمان والعرفان ، ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة من فنون الإحسان عَرَف تخصيصهم بمناقبهم ، وانفرادهم بفضلهم ، فاستيقن أن الله أكرمهم ، وعلى كثيرٍ من المخلوقات قَدَّمهم . ثم قال في قوله : { واختلاف الليل والنهار … } الآية . جعل الله العلومَ الدينية كسبيةً مُصحَّحةً بالدلائل ، مُحتَفةً بالشواهد ، فمَن لم يستبصرْ لها زلَّتْ قَدَمُه عن الصراط المستقيم ، ووقع في عذاب الجحيم ، فاليومَ في ظلمة الحيرة والتقليد ، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد . هـ . قلت : النظر في دلائل الكائنات من غير تنوير ، ولا صحبة أهل التنوير ، لا تزيد إلا حيرة ، ولذلك قال بعضهم : إيمان أهل علم الكلام كالخيط في الهواء ، يميل مع كل ريح ، فالتقليد حينئذ أسلم ، والتمسك بظاهر الكتاب والسنة أتم ، ومَن سقط على العارفين بالله ، لم يحتج إلى دليل ولا شاهد ، وأغناه شهود الشهيد عن كل شاهد . @ عجبت لمَن يبغي عليك شهادة وأنت الذي أشهدته كلَّ شاهد @@ كيف يُعرف بالمعارف مَن به عُرفت المعارف ؟ ! تنزّه الحق تعالى أن يفتقر إلى دليل يدلّ عليه ، بل به يستدل على غيره ، فلا يجد غيره . تلك آيات شواهد نتلوها عليك لترانا فيها ، لا لتراها مفروقةً عنا ، ولذلك قال تعالى : { بالحق } أي : ملتبسة بنور الحق ، الله نور السموات والأرض . قوله تعالى : { فبأي حديث … } الآية ، قال القشيري : فَمَنْ لا يؤمن بها فبأي حديث يؤمن ؟ ومن أي أصل ينشأ بعده ؟ ومن أي بحر في التحقيق يغترف ؟ هيهات ما بقي للإشكال في هذا مجال . هـ . ثم ذكر حال مَن أعرض عنها ، فقال : { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } .