Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 6, Ayat: 93-94)
Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قلت : { كما خلقناكم } : بدل من { فُرَادى } ، أو حال ثانية ، و { لقد تقطع بينكم } من قرأ بالرفع ، فهو فاعل ، أي : تقطع وصلُكم ، ومن قرأ بالنصب ، فظرف ، على إضمار الفاعل ، أي : تقطع الاتصال بينكم ، أو على حذف الموصول لقد تقطع ما بينكم . يقول الحقّ جلَ جلاله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا } فزعم أنه يوحى إليه ، كمسيلمة الكذاب والأسود العَنسي ، أو : غيَّر الدين ، كعَمرو بن لحي وأمثاله { أو قال أُوحي إليَّ ولم يُوحَ إليه شيء } كابن أبي سَرح ومن تقدم ، إلا من تاب ، كابن أبي سرح . { ومَن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } كالذين قالوا : { لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلِ هَذَا } [ الأنفَال : 31 ] كالنضر بن الحارث وأشباهه . { ولو ترى إذ الظالمون } من اليهود والكذابين والمستهزئين ، حين يكونون { في غمرات الموت } : شدائده { والملائكة باسطو أيديهم } لقبض أرواحهم ، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم ، قائلين لهم : { أخرجوا أنفسكم } من أجسادكم تغليظًا عليهم ، { اليوم } وما بعده { تُجزون عذاب الهون } أي : الهوان ، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان ، وإضافته للهوان لتمكنه فيه . وذلك العذاب { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } ، كادعاء النبوة كذبًا ، وادعاء الولد والشريك لله ، { وكنتم عن آياته تستكبرون } فلا تستمعون لها ، ولا تؤمنون بها ، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرًا فظيعًا وهولاً شنيعًا . يقول الحق سبحانه لهم : { ولقد جئتمونا } للحساب والجزاء ، { فُرادى } . متفرَّدين عن الأعوان والأوثان ، أو عن الأموال والأولاد ، وهذا أولى بقوله : { كما خلقناكم أول مرة } أي : على الهيئة التي وُلدتم عليها من الانفراد والتجريد حفُاة عُراة غُرلاً { وتركتم ما خولناكم } أي : تفضَّلنا به عليكم من الدنيا فشُغلتم به عن الآخرة ، { وراء ظهوركم } ، فلم تقدموا منه شيئًا ، ولم تحملوا معكم منه نقيرًا ، { وما نرى معكم شفعاءكم } أي : أصنامكم { الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } أي : أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم ، { لقد تقطَّع بينكم } أي : تفرَّق وصلُكم وتشتت شملكم ، { وضَلَّ } أي : غاب { عنكم ما كنتم تزعمون } أنهم شفعاؤكم ، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم . الإشارة : كل من ادعى حالاً أو مقامًا ، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به ، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه . وفي قوله : { ولقد جِئتُمُونَا فرادى … } الخ ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته ، لا يكون إلا بعد قطع العلائق والعوائق والشواغل كلها ، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا . وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى ، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي شاهدين بشهادتي ، بوصف الكشف والخطاب ، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر ، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى } [ الأعرَاف : 172 ] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل ، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم : " كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " ، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب ، عند سبق الإرادة . انتهى . قلت : وحاصل كلامه ، أن مجيئهم فُرادى ، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها ، حتى رجعت لأهلها ، كما خلقها أول مرة ، أعني : مقدسة من شواهد الحس ، مُطهرة من لُوثِ الأغيار ، على فطرة الأزل ، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول ، حين كانت على أصل التطهير ، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر . والله تعالى أعلم . وقوله تعالى : { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } أي : من العلوم الرسمية ، والطاعات البدنية والكرامات الحسية ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا ، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله ، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق . هـ . وقوله تعالى : { وما نرى معكم شفعاءكم } إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل . والله تعالى أعلم . ثم شرع يذكر دلائل توحيده وتعريف ذاته ، فقال : { إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ } .