Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 9, Ayat: 67-69)

Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قلت : قال في الأساس : ومن المجاز : نَسيتُ الشيء : تركتُه ، نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ . قال في المشارق : ونسي بمعنى ترك ، معناه مشهور في اللغة ، ومنه : نسوا الله فنسيهم أي : تركوا أمره فتركهم . وقوله : كالذين من قبلكم : خبر ، أي : أنتم كالذين ، أو مفعول بمحذوف ، أي : فعلتم مثل فعل من قبلكم . يقول الحق جل جلاله : { المنافقون والمنافقاتُ بعضُهم من بعض } أي : متشابهة في الكفر والبعد عن الإيمان ، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم في النفاق والكفر ، وهو نفي لأن يكونوا مؤمنين . وقيل : إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله : { إنهم لمنكم } وتقرير لقوله : وهو قوله : { يأمرون بالمنكر } كالكفر والمعاصي ، { وينْهَون عن المعروف } كالإيمان والطاعة ، { ويقبضُون أيديَهم } عن الإعطاءِ المبار ، وهو كناية عن البخل والشح . { نَسُوا الله } أي : غفلوا ، أي : أغفلوا ذكره ، وتركوا طاعته ، { فنسيهم } فتركهم من لطفه ورحمته وفضله ، { إن المنافقين هم الفاسقون } الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير . { وَعدَ اللَّهُ المنافقين والمنافقاتِ والكفارَ } أي : المهاجرين بالكفر ، { نارَ جهنم خالدين فيها } أي : مقدرين الخلود . قال ابن جزي : الأصل في الشر أن يقال : أوعد ، وإنما يقال فيه : " وعد " إذا صرح بالشر . هـ . { هي حَسْبُهُم } أي : جزاؤهم عقاباً وعذاباً ، وفيه دليل على عظم عذابها ، { ولعنهم الله } أبعدهم من رحمته ، وأهانهم ، { ولهم عذابٌ مقيم } لا ينقطع ، وهو العذاب الذي وعدوه ، أو ما يقاسونه من تعب النفاق ، والخوف من المؤمنين . { كالذين من قبلكُم } أي : أنتم كالذين من قبلكم ، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم ، { كانوا أشدَّ منكم قوةً وأكثر أموالاً وأولاداً } ، وهو بيان لتشبيههم بهم ، وتمثيل حالهم بحالهم ، { فاستمتعوا بخلافكم } أي : نصيبهم من ملاذ الدنيا وحظوظها ، فأمّلوا بعيداً وبنوا مشيداً ، فرحلوا عنه وتركوه ، فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم رجعوا ، { فاستمتعتُم } أنتم { بخلاقِكم } أي : بنصيبكم مما خلق الله لكم وقدره لكم في الأزل ، { كما استمتع الذين من قبلكُم بخلاقِهِم } ، ثم تركوا ورحلوا عنه ، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه . قال البيضاوي : ذمَّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المُخدَّجة من الشهوات الفانية ، والتِهَائِهم بها عن النظر في العاقبة ، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيرة تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم . هـ . { وخُضْتُم } في الباطل { كالذي خاضُوا } أي : كخوضهم ، أو كالخوض الذي خاضوه ، وقيل : كالذين خاضوا فيه ، فأوقع الذم على الجميع . { أولئك حبِطَتْ أَعمالُهم في الدنيا والآخرة } أي : لم يستحقوا عليها ثواباً في الدارين ، { وأولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران ، خسروا الدنيا والآخرة . الإشارة : ينبغي لأهل الإيمان الكامل أن يتباعدوا عن أوصاف المنافقين فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويمدّون أيديهم بالعطاء والإيثار ، ويذكرون الله على سبيل الاستهتار ، حتى يذكرهم برحمته . ويتشبهون بمن قبلهم من الصالحين الأبرار ، فقد استمتعوا بلذيذ المناجاة ، وحلاوة المشاهدات ، وبلطائف العلوم والمكاشفات ، أولئك الذين ثبتت لهم الكرامة من الله في الدنيا والآخرة ، وأولئك هم الفائزون . ثم هدد المنافقين بإهلاك من قبلهم ، فقال : { أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } .