Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 40, Ayat: 69-78)
Tafsir: al-Ǧāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } قال ابن زيد : هم المشركون بدليل قوله : { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا } . وقال أكثر المفسرين : نزلت في القدرية . قال ابن سيرين : إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت . قال أبو قبيل : لا أحسب المكذّبين بالقدَر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا . وقال عقبة بن عامر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " نزلت هذه الآية في القدَرِية " ذكره المهدوي . قوله تعالى : { إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ } أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغُلّت أيديهم إلى أعناقهم . قال التيمي : لو أن غُلاًّ من أغلال جهنم وضع على جبل لوَهَصه حتى يبلغ الماء الأسود . { وٱلسَّلاَسِلُ } بالرفع قراءة العامة عطفاً على الأغلال . قال أبو حاتم : { يُسْحَبُونَ } مستأنف على هذه القراءة . وقال غيره : هو في موضع نصب على الحال ، والتقدير : « إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ » مسحوبين . وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود « والسَّلاسِلَ » بالنصب « يُسْحَبُونَ » بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل . قال ابن عباس : إذا كانوا يجرونها فهو أشدّ عليهم . وحكي عن بعضهم « والسلاسِلِ » بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسلِ قاله الفرّاء . وقال الزجاج : ومن قرأ « والسلاسِلِ يسحبون » بالخفض فالمعنى عنده وفي « السلاسِلِ يُسْحَبُونَ » . قال ابن الأنباري : والخفض على هذا المعنى غير جائز لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر « في » فتقول زيد الدارِ ، ولكن الخفض جائز على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل ، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال لأن الأغلال في تأويل الخفض كما تقول : خاصم عبد الله زيداً العاقلين فتنصب العاقلين . ويجوز رفعهما لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه أنشد الفرّاء : @ قد سَالَم الحياتِ مِنه القدَمَا الأُفْعُوَانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما @@ فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم . فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها . و « الحميم » المتناهي في الحر . وقيل : الصديد المغلي . { ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } أي يطرحون فيكونون وقوداً لها قاله مجاهد . يقال : سجرت التنور أي أوقدته ، وسجرته ملأته ومنه { وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ } [ الطور : 6 ] أي المملوء . فالمعنى على هذا تملأ بهم النار ، وقال الشاعر يصف وعلا : @ إِذا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورَةً تَرَى حَوْلَها النَّبْعَ والسِّمْسِمَا @@ أي عيناً مملوءة . { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وهذا تقريع وتوبيخ . { قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا } أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب من ضلّ الماءُ في اللبن أي خفي . وقيل : أي صاروا بحيث لا نجدهم . { بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً } أي شيئاً لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع . وليس هذا إنكاراً لعبادة الأصنام ، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة قال الله تعالى : { كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ } أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر . قوله تعالى : { ذَلِكُمْ } أي ذلكم العذاب { بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ } بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخاً . أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة . وقيل إن فرحهم بما عندهم أنهم قالوا للرّسل : نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذّب . وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز : { فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ } [ غافر : 83 ] . { وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } قال مجاهد وغيره : أي تبطَرون وتأشَرون . وقد مضى في « سبحان » بيانه . وقال الضحاك : الفرح السرور ، والمرح العدوان . وروى خالد عن ثور عن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لَحمِين ويبغض كل حبر سمين " فأما أهل بيت لَحمِين : فالذي يأكلون لحوم الناس بالغيبة . وأما الحبر السمين : فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس . ذكره الماوردي . وقد قيل في اللَّحِمِين : أنهم الذين يكثرون أكل اللحم ومنه قول عمر : اتقوا هذه المجازر فإنّ لها ضراوة كَضَراوة الخمر ذكره المهدوي . والأوّل قول سفيان الثوري . { ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } أي يقال لهم ذلك اليوم ، وقد قال الله تعالى : { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } [ الحجر : 44 ] . { فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ } تقدم جميعه . قوله تعالى : { فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } هذا تسلية للنبيّ عليه السلام أي إنا لننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة . { فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ } في موضع جزم بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح . { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } عطف عليه { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } الجواب . قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ } عزّاه أيضاً بما لقيت الرسل من قبله . { مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ } أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم . { وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ } أي من قبل نفسه { إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ } أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله ، وإنما التأخير لإسلام من علم الله إسلامه منهم ، ولمن في أصلابهم من المؤمنين . وقيل : أشار بهذا إلى القتل ببدر . { قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي الذين يتبعون الباطل والشرك .