Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 11, Ayat: 40-40)

Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

وكلمة { حَتَّىٰ } تدل على الغاية وكلمة { أَمْرُنَا } تدل على الطوفان ، ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، ومَنْ آمن معه وكانوا قِلَّة قليلة . إذن : ففي قصة نوح عليه السلام أكثر من مرحلة ، أمر من الله تعالى بقوله : { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ … } [ هود : 37 ] . وعمل من نوح عليه السلام بأن يصنع ، وقد استغرق هذا الفعل وقتاً طويلاً من نوح عليه السلام إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه : { وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ … } [ هود : 40 ] . ومعنى كلمة { فَارَ } أي : أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان . فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء ، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي تخرج من الماء ، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان ، فيفور الماء منثوراً خارج إناء الغليان . و " التنور " هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز ، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح عليه السلام ليحمل من يريد نجاتهم ، من المؤمنين ، ومن متاع الدنيا كله . وكانت العلامة هي خروج الماء من غير مَظَانِّه وهو التنور . واختلف العلماء في تفسير كلمة " التنور " فمنهم من قال : إن التنور هو المكان الذي كان آدم عليه السلام يخبز فيه ، أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء ، أو هو بيت نوح ، أو هو بيت سيدة عجوز . وكل تلك التفسيرات لا تفيد ولا تضرُّ ، المهم أن فوران التنور كان علامة بين نوح عليه السلام وربه ، وأنه إذا ما فار التنور فعَلَى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين . وقول الحق سبحانه : { ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ … } [ هود : 40 ] . تعني : أن يحمل من كل الكائنات ، وتدل على ذلك كلمة { كُلٍّ } المنونة - وتفيد التعميم - أي : احمل في السفينة من كل شيء ، تطلبه حياة الناجين من جميع أصناف النباتات والحيوانات ، حتى الخنزير كان ضمن ما حمله نوح عليه السلام . والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء لأن نوحاً عليه السلام لم يحمله معه ، لم يفطنوا إلى أهمية الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف الأرض منها لأن كل كائن له مهمة ، وليست مهمة الكائنات فقط أن يأكلها الإنسان . وكلمة : { زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ … } [ هود : 40 ] . تدل على أن كلمة " زَوْجٍ " هي مفرد بدليل قول الحق سبحانه : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا … } [ النساء : 1 ] . إذن : كلمة " زَوْجٍ " تعني مفرد معه مثله ، كزوج من الأحذية مثلاً . أقول ذلك حتى لا نأخذ كلمة " الزوج " على أنها اثنان ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ … } [ الأنعام : 143 - 144 ] . وحين نجمع العدد سنجده ثمانية ، ولو كانت كلمة " زوج " تطلق على الاثنين لصار العدد في تلك الآية الكريمة ستة عشر . ويوضِّح القرآن الكريم أن كلمة " زوج " مفرد في قول الحق سبحانه : { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } [ القيامة : 37 - 39 ] . إذن : فالذكر زوج ، والأنثى زوج أيضاً . وواصل نوح عليه السلام تنفيذ أمر الحق سبحانه : { … ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } [ هود : 40 ] . وهكذا شاء الحق سبحانه أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة ، ويقال : إنهم عاشوا في تلك السفينة عامين . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : { وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا … } .