Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 24, Ayat: 61-61)
Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله تعالى : { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ … } [ النور : 61 ] الحرج : هو الضيق ، كما جاء في قوله سبحانه : { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ … } [ الأنعام : 125 ] . أو الحرج بمعنى : الإثم ، فالحرج المرفوع عن هؤلاء هو الضِّيق أو الإثم الذي يتعلق بالحكم الآتي في مسألة الأكل ، بدليل أنه يقول { وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ … } [ النور : 61 ] . والأعمى يتحرَّج أنْ يأكل مع الناس لأنه لا يرى طعامه ، وربما امتدتْ يده إلى أطيب الطعام فيأكله ويترك أدناه ، والأعرج يحتاج إلى راحة خاصة في جلْسته ، وربما ضايق بذلك الآخرين ، والمريض قد يتأفف منه الناس . فرفَع الله تعالى عن عباده هذا الحرج ، وقال : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً … } [ النور : 61 ] . فيصح أن تأكلوا معاً لأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أنْ يجعل التكامل في الذوات لا في الأعراض ، وأيضاً أنك إنْ رأيتَ شاباً مَؤوفاً يعني به آفة ، ثم تعامله معاملة خاصة فربما جرحْتَ شعوره ، حتى إنْ كان ما به أمراً خَلْقياً من الله لا يتأباه ، والبعض يتأبى أن يخلقه الله على هيئة لا يرضاها . لذلك كانوا في الريف نسمعهم يقولون : اللي يعطي العمى حقه فهو مبصر ، لماذا ؟ لأنه رضي بهذا الابتلاء . وتعامل مع الناس على أنه كذلك ، فطلب منهم المساعدة لذلك ترى الناس جميعاً يتسابقون إلى مساعدته والأخْذ بيده ، فإنْ كان قد فقد عيناً فقد عوَّضه الله بها ألف عَيْن ، أما الذي يتأبّى ويرفض الاعتراف بعجزه ويرتدي نظارة سوداء ليخفي بها عاهته فإنه يسير مُتعسِّراً يتخبّط لا يساعده أحد . وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد لأصحاب هذه الآفات أن يتوافقوا مع المجتمع ، لا يأخذون منه موقفاً ، ولا يأخذ المجتمع منهم موقفاً لذلك يعطف على { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ … } [ النور : 61 ] ثم يقول سبحانه { وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ … } [ النور : 61 ] يعني : هم مثلكم تماماً ، فلا حرجَ بينكم في شيء . { أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ … } [ النور : 61 ] إلخ . وكان في الأنصار قزازة ، إذا جلس في بيت لا يأكل منه إلا إذا أَذِنَ له صاحب البيت ، وقد يسافر الرجل منهم ويترك التابع عنده في البيت دون أنْ يأذنَ له في الأكل من طعام بيته ويعود ، فيجد الطعام كما هو ، أو يجده قد فسد دون أنْ يأكل منه التابع شيئاً ، فأراد الحق سبحانه أنْ يرفع هذا الحرج عن الناس ، فقال : { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ . . } [ النور : 61 ] إلى آخر هذه المعطوفات . ولقائل أنْ يقول : وأيّ حرج في أنْ يأكل المرء من بيته ؟ وهل كان يخطر على البال أنْ تجد حَرَجاً ، وأنت تأكل من بيتك ؟ قالوا : لو حاولتَ استقصاء هؤلاء الأقارب المذكورين في الآية لتبيّن لك الجواب ، فقد ذكرتْ الآية آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم وأعمامكم وعماتكم وأخوالكم وخالاتكم ، ولم تذكر شيئاً عن الأبناء وهم في مقدمة هذا الترتيب ، لماذا ؟ قالوا : لأن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء ، وحين تأكل من بيت ولدك كأنك تأكل من بيتك ، على اعتبار أن الولد وما ملكتْ يداه مِلْك لأبيه ، إذن : لك أن تضع مكان { بُيُوتِكُمْ … } [ النور : 61 ] بيوت أبنائكم . ذلك لأن الحق - تبارك وتعالى - لم يُرِدْ أنْ يجعل للأبناء بيوتاً مع الآباء ، لأنهما شيء واحد . إذن : لا حرجَ عليك أن تأكل من بيت ابنك أو أبيك أو أمك أو أخيك أو أختك أو عمك أو عمتِك ، أو خالك أو خالتك { أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ … } [ النور : 61 ] يعني : يعطيك صاحب البيت مفتاح بيته ، وفي هذا إذْنٌ لك بالتصرُّف والأكل من طعامه إنْ أردتَ . { أَوْ صَدِيقِكُمْ … } [ النور : 61 ] وتلحظ في هذه أنها الوحيدة التي وردتْ بصيغة المفرد في هذه الآية ، فقبلها : بيوتكم ، آباءكم ، أمهاتكم … إلخ إلا في الصديق فقال { أَوْ صَدِيقِكُمْ … } [ النور : 61 ] ولم يقل : أصدقائكم . ذلك لأن كلمة صديق مثل كلمة عدو تستعمل للجميع بصيغة المفرد ، كما في قوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ … } [ الشعراء : 77 ] . لأنهم حتى إنْ كانوا جماعة لا بُدَّ أنْ يكونوا على قلب رجل واحد ، وإلا ما كانوا أصدقاء ، وكذلك في حالة العداوة نقول عدو ، وهم جمع لأن الأعداء تجمعهم الكراهية ، فكأنهم واحد . ثم يقول سبحانه : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً … } [ النور : 61 ] { جَمِيعاً … } [ النور : 61 ] سوياً بعضكم مع بعض ، { أَوْ أَشْتَاتاً … } [ النور : 61 ] متفرقين ، كُلٌّ وحده . وقوله تعالى : { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً … } [ النور : 61 ] على أنفسكم ، لأنك حين تُسلِّم على غيرك كأنك تُسلِّم على نفسك ، لأن غيرك هو أيضاً سيسلم عليك ، ذلك لأن الإسلام يريد أن يجعل المجتمع الإيماني وحدة متماسكة ، فحين تقول لغيرك : السلام عليكم سيردّ : وعليكم السلام . فكأنك تُسلِّم على نفسك . أو : أن المعنى : إنْ دخلتم بيوتاً ليس فيها أحد فسلِّموا على أنفسكم ، وإذا دخلوا المسجد قالوا : السلام على رسول الله وعلينا من ربنا ، قالوا : تُسمع الملائكة وهي ترد . وقوله تعالى : { تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً … } [ النور : 61 ] وفي آية أخرى يقول سبحانه : { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ … } [ النساء : 86 ] . والتحية فوق أنها من عند الله فقد وصفها بأنها { مُبَارَكَةً … } [ النور : 61 ] والشيء المبارك : الذي يعطي فوق ما ينتظر منه { كَذَلِكَ … } [ النور : 61 ] أي : كما بيَّن لكم الأحكام السابقة يُبيِّن لكم { ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ النور : 61 ] . أي : أن الذي كلّفكم بهذه الأحكام رَبٌّ يحب الخير لكم ، وهو غنيٌّ عن هذه ، إنما يأمركم بأشياء ليعود نَفْعها عليكم ، فإنْ أطعتموه فيما أمركم به انتفعتُم بأوامره في الدنيا ، ثم ينتظركم جزاؤه وثوابه في الآخرة . ثم يقول الحق سبحانه : { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ … } .