Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 3, Ayat: 67-67)

Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

وبذلك يتأكد أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهودياً ، لأن اليهودية جاءت من بعده . ولم يكن إبراهيم نصرانياً ، لأن النصرانية جاءت من بعده ، لكنه وهو خليل الرحمن { كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } ونحن نفهم أن كلمة " حنيفاً " تعني الدين الصافي القادم من الله ، والكلمة مأخوذة من المحسات ، فالحنف هو ميل في الساقين من أسفل ، أي اعوجاج في الرجلين ، ثم نقل الحنف إلى كل أمر غير مستوٍ . وهنا يتساءل الإنسان ، هل كان إبراهيم عليه السلام في العوج أو في الاستقامة ؟ وكيف يكون حنيفاً ، والحنف عوج ؟ وهنا نقول : إن إبراهيم عليه السلام كان على الاستقامة ، ولكنه جاء على وثنية واعوجاج طاغ فالعالم كان معوجاً . وجاء إبراهيم ليخرج عن هذا العوج ، وما دام منحرفاً عن العوج فهو مستقيم ، لماذا ؟ لأن الرسل لا يأتون إلا على فساد عقدي وتشريعي طاغ . والحق سبحانه وتعالى ساعة ينزل منهجه يجعل في كل نفس خلية إيمانية . والخلية الإيمانية تستيقظ مرة ، فتلتزم ، وتغفل مرة ، فتنحرف ، ثم يأتي الاستيقاظ بعد الانحراف ، فيكون الانتباه ، وهكذا توجد النفس اللوامة ، تلك النفس التي تهمس للإنسان عند الفعل الخاطئ : أن الله لم يأمر بذلك . ويعود الإنسان إلى منهج الله تائباً ومستغفراً ، فإن لم توجد النفس اللوامة صارت النفس أمارة بالسوء ، وهي التي تتجه دائماً إلى الانحراف ، وحول النفس الواحدة توجد نفوس متعددة تحاول أن تقاوم وتقوّم المعوج ، وهي نفوس من البيئة والمجتمع ، فمرة يكون الاعتدال والاتجاه إلى الصواب بعد الخطأ قادماً من ذات الإنسان أي من النفس اللوامة ، ومرة لا توجد النفس اللوامة ، بل توجد النفس الأمارة بالسوء ، لكن المجتمع الذي حول هذا الإنسان لا يخلو من أن يكون فيه خلية من الخير تهديه إلى الصواب ، أما إذا كانت كل الخلايا في المجتمع قد أصبحت أمارة بالسوء فمن الذي يعدلها ويصوبها ؟ هنا لابد أن يأتي الله برسول جديد ، لأن الإنسان يفتقد الردع من ذاتية النفس بخلاياها الإيمانية ، ويفتقد الردع من المجتمع الموجود لخلوه كذلك من تلك الخلايا الطيبة ، وهكذا يطم الظلام ويعم ، فيرسل الله رسولاً ليعيد شعلة الإيمان في النفوس . والله سبحانه وتعالى قد ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يأتي لها نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا فمن الضروري أن يوجد فيها الخير ويبقى ، فالخير يبقى في الذات المسلمة ، فإذا كانت الغفلة فالنفس اللوامة تصوب ، وإن كانت هناك نفس أمارة بالسوء فهناك قوم كثيرون مطمئنون يهدون النفس الأمارة إلى الصواب . وهكذا لن تخلو أمة محمد في أي عصر من العصور من الخير ، أما الأمم الأخرى السابقة فأمرها مختلف فإن الله يرسل لهم الرسل عندما تنطفئ كل شموع الخير في النفوس ، ويعم ظلام الفساد فتتدخل السماء ، وحين تتدخل السماء يقال : إن السماء قد تدخلت على عوج لتعدله وتقومه . إذن فإبراهيم عليه السلام جاء حنيفاً ، أي مائلاً عن المائل ، وما دام مائلاً عن المائل فهو مستقيم ، فالحنفية السمحة هي الاستقامة . وهكذا نفهم قول الحق : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } [ آل عمران : 67 ] . إن إبراهيم هو أبو الأنبياء ، ولو لم تكن اليهودية قد حُرفت وبدلت ، وكذلك النصرانية لكان من المقبول أن يكون اليهود والنصارى على ملة إبراهيم لأن الأديان لا تختلف في أصولها ، ولكن قد تختلف في بعض التشريعات المناسبة للعصور ، ولذلك فسيدنا إبراهيم عليه السلام لا يمكن أن يكون يهودياً باعتبار التحريف الذي حدث منهم ، أي لا يكون موافقاً لهم في عقيدتهم ، وكذلك لا يمكن أن يكون نصرانياً للأسباب نفسها ، لكنه { كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } [ آل عمران : 67 ] أي أنه مائل عن طريق الاعوجاج . قد يقول قائل : ولماذا لم يقل الله : " إن إبراهيم كان مستقيماً " ولماذا جاء بكلمة " حنيفاً " التي تدل على العوج ؟ ونقول : لو قال : " مستقيماً " لظن بعض الناس أنه كان على طريقة أهل زمانه وقد كانوا في عوج وضلال ولهذا يصف الحق إبراهيم بأنه { كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً } [ آل عمران : 67 ] وكلمة " مسلماً " تقتضي " مسلماً إليه " وهو الله ، أي أنه أسلم زمامه إلى الله ، ومُسْلَماً فيه وهو الإيمان بالمنهج . وعندما أسلم إبراهيم زمامه إلى الله فقد أسلم في كل ما ورد بـ " افعل ولا تفعل " وإذا ما طبقنا هذا الاشتقاق على موكب الأنبياء والرسل فسنجد أن آدم عليه السلام كان مسلماً ، ونوحاً عليه السلام كان مسلماً ، وكل الأنبياء الذين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين . كان كل نبي ورسول من موكب الرسل يلقى زمامه في كل شيء إلى مُسْلَم إليه وهو الله ، ويطبق المنهج الذي نزل إليه ، وبذلك كان الإسلام وصفاً لكل الأنبياء والمؤمنين بكتب سابقة ، إلى أن نزل المنهج الكامل الذي اختُتمت به رسالة السماء على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ " افعل ولا تفعل " ولم يعد هناك أمر جديد يأتي ، ولن يشرع أحد إسلاماً لله غير ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . لقد اكتملت الغاية من الإسلام ، ونزل المنهج بتمامه من الله . واستقر الإسلام كعقيدة مصفاة ، وصار الإسلام علماً على الأمة المسلمة ، أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي التي لا يُستَدرك عليها لأنها أمة أسلمت لله في كل ما ورد ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم . لذلك قال الحق : { إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ … } .