Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 4, Ayat: 25-25)

Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

والاستطاعة تعني أن يدخل الشيء في طاعتي فلا يعصى ولا يتأبى علي ، وافرض أنني أمسكت قطعة حديد ولويتها ، هنا تكون قطعة الحديد قد دخلت في طوعي ، ومثال ذلك : ابنا آدم ، حين قدم كل منهما قرباناً لله فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، فالذي لم يتقبل الله منه القربان قال : { لأَقْتُلَنَّكَ … } [ المائدة : 27 ] . فماذا كان ردُّ الذي تلقى التهديد ؟ قال : { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } [ المائدة : 28 - 30 ] . ما معنى : { فَطَوَّعَتْ … } [ المائدة : 30 ] ؟ طوعت يعني : جعلته في استطاعته ، وعندما نمعن النظر في { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ … } [ المائدة : 30 ] نجد أن " الهاء " تشير إليه هو ، وذلك يدل على أن الإنسان فيه ملكات متعددة ملكة تقول : اقتله ، وملكة أخرى تقول له : لا تقتله . ضميره يقول له : لا تفعل ، والنفس الأمارة بالسوء تقول له : اقتل ، ويكون هو متردداً بين الأمرين . وقوله الحق : { فَطَوَّعَتْ لَهُ … } [ المائدة : 30 ] دليل على أن نفسه كانت متأبية عليه ، لكن النفس الأمارة بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أخاه ، ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين ، وبعدما أخذ شهوته من القتل ندم ، ويأتي هذا الندم على لسانه : { يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ } [ المائدة : 31 ] . أنت الذي قتلته ، لكنك أصبحت من النادمين . لماذا ؟ لأن ملكات الخير دائماً تُصعد عمل الخير وتحبط عمل الشر . والإنسان قد يبدأ شريراً ، وإن كانت ملكاته ملكات خير غالبة ، فهو ينزل من هذا الشر العالي ويخففه ، وإن كانت ملكات الشر غالبة فهو يبدأ في الشر قليلاً ثم يصعده ، فيقول في نفسه : فلان فعل فِيَّ كذا وأريد أن أصفعه صفعة ، وبعد ذلك قد يرفع من شره فيقول : " أو أضربه ضربة " . لكن إذا ما كان الإنسان خيِّراً ، فيقول : " فلان كاد لي ، أريد أن أضربه رصاصة أو أضربه صفعتين أو أوبخه " إنه ينزل من الشر ويصعد من الخير . كما في قصة سيدنا يوسف وإخوته حين قالوا : { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } [ يوسف : 8 - 10 ] . إنهم أسباط ، وأولاد النبي يعقوب ، فيقللون من الشر ، يخففونه مباشرة قائلين : { أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً … } [ يوسف : 9 ] يعني يلقونه في أرض بعيدة ، إذن فخففوا القتل في نفس واحد ، كيف تم هذا الانتقال من القتل إلى اطرحوه أرضاً ؟ ثم خففوا الأمر ثانية حتى لا يأكله سبع أو يتوه ، فقالوا : { وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ … } [ يوسف : 10 ] . إذن فقوله : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ … } [ النساء : 25 ] أي من لم يستطع دخول الشيء في طوعه أو أن تطوله يداه ، وهذا هو المقصود بالطول ، " فطالته يده " يعني صار في استطاعته ، وفلان تطول عليّ ، أي تفضل عليّ بشيء ، " وفلان تطاول عليّ " أي ما كان يصح أن يجترىء عليّ ، وكلها من الطول ، و " طولا " : تعني قدرة تطول به الزواج بمن تحب أي أنت لا تملك مالا ولا تستطيع الطول ، فهناك مرحلة أخرى ، لا داعي للحرة لأن مهرها غالٍ غالباً فخذ من الإماء الأسيرات لأن مؤنتهن ونفقتهن خفيفة ، وليس لها عصبة ولا أهل يجادلونك في المهر ، فقال : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ … } [ النساء : 25 ] . والذي نلمحه في الآية أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها لأن مالكها لا يحتاج ذلك ، إنه يستمتع بها ويتغشاها لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير . إذن فقد أباح الله للمسلم أن ينكح مما ملكت يمين غيره على شرط أن يكون ذلك بإذن مولاها لأنها بالزواج تقتطع جزءاً من وقتها وخدمتها لمَنْ يملك رقبتها ، فلا بد أن يُستَأذَن حتى يكون أمر انقطاعها إلى الزواج في بعض خدماته مما هو معلوم لأوليائهن ، وأمر أيضاً سبحانه ألا نستهين بأنها مملوكة ومهينة فلا نأتيها مهرها . بل يجب أن يُؤدَى لهؤلاء مهورهن بما يعرف ، أي بالمتعارف عليه لأن ذلك عوض البضع ، فإذا كان الحق قد أمر بأن نستأذن مواليهن وأمر بأن نأتيهن أجورهن ، هنا بعض الإشكال لأَنَّ المملوكة لا تملك لأن العبد وما ملكت يداه لسيده . نقول له : نعم ، ولكن إذا قلت : العبد وما ملكت يداه لسيده فلا بد أن تحقق لها ملكاً أولاً ثم يكون ما تملكه لسيدها ، أما أن تتعداها وتعطي المال لسيدها فإنها في هذه الحالة لم يتحقق لها مهر ، فقولك : العبد وما ملكت يداه ، أي أعطها فترة وفرصة لتكون مالكة بأن تُعطي الأجر تكريماً لها ، أما كون ما لها لسيدها فهذا موضوع آخر . وبعد ذلك تذهب لتتزوجها إن ذلك يصح ، فهل نفهم من ذلك أنك إن استطعت طوْلاً لا تنكح الإماء ؟ لا . وهل هذا يقلل من شأن الإماء ؟ لا . لماذا ؟ انظر للحكم العالية التي لا يقولها إلا رب . الله يريد أن يصفي مسألة الرق ، فحين يأتي واحد ويتزوج أمة مملوكة لغيره فأولادها يتبعونها في الرق . فالأولاد في الدين تتبع خير الأبوين ، وفي الحرية والرق يتبع الأولاد الأم ، فإذا ما تزوج إنسان أَمَةً مملوكة لغيره فأولادها الذين سيأتون يكونون عبيداً . وحين يتركها لسيدها ويتزوج غيرها من الحرائر ، فمَنْ تلده من سيدها يكون حراً ، إذن فسبحانه يريد أن يصفي الرق ، هذه واحدة ، الشيء الآخر أن الزواج : التقاء الذكر بالأنثى ليكونا نواة أسرة ، فإذا ما كان الزوج والزوجة أكفاء . فالزوج لا يجد في نفسه تعالياً على الزوجة ، والزوجة لا تجد في نفسها تعالياً على الزوج لأن كل واحد منهما كفء للآخر ، وهذه تضمن اتزان الحياة واتزان التعامل ، لكن حين يتزوج واحد أمةً ليس لها أهل فقد يستضعفها وقد يستعلي عليها . وقد يذلها . وقد يعيرها ، وحين يكون لها أولاد قد يقولون لهم : ليس لكم خال مثلاً . والمشرع يريد أن يبني حياة أسرية متزنة ، ولذلك اشترط الكفاءة ، وقال : { وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ … } [ النور : 26 ] . وبعض من الناس تفهم عندما ترى طيبة فلا بد أن يتزوجها رجل طيب ، نقول لهم : إن هذا تشريع والتشريع تكليف وعرضة أن يطاع وعرضة أن يعصى ، فسبحانه حين يشرع أن الطيبات يكن للطيبين والخبيثات للخبيثين ، فإن طبقتم التشريع تكون المسائل مستقيمة ، وهذا يحمل الرد على مَنْ يقولون : ما دام ربنا يقول : { وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ … } [ النور : 26 ] فكيف يتزوج فلان بفلانه وأحدهما طيب والآخر خبيث ؟ ونقول : إن هذا الحكم ليس في قضية كونية حادثة ، بل هو قضية تشريعية تقتضي منا أن نتبعه وأن نجعل الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات ليتحقق التوازن . فإن كان خبيثاً وقال لها : أنت كذا وكذا تقول له : أنت كذا وكذا . فلا يقول هذه كي لا تقول له مثلها ، أما الإنسان الطيب فهو يلين جانبه مرة وهي طيبة وتلين جانبها مرة . { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ … } [ النساء : 25 ] كلمة { ٱلْمُحْصَنَاتِ … } [ النساء : 25 ] تعني هنا الحرائر لأنها لو كانت متزوجة فلن تكون محل تزويج لآخر . { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ … } [ النساء : 25 ] وكلمة " فتى " نطلقها في الحر على من له فتوة وشباب ، ونطلق كلمة فتاة على أي أَمَة ولو كانت عجوزاً ، وعلمنا رسول الله ألا نقول : هذا عبدي وهذه أمتي . وإنما نقول : " فتاي " و " فتاتي " . { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم … } [ النساء : 25 ] ويتساءل البعض : وهل يتزوج الإنسان ممن يملكها ؟ نقول له : لا . إنها حلال له فهي مملوكة له ملك يمين ويستطيع أن يكون له منها ولد ، إذن فتكون ما ملكت أيمان غيركم ، لأن الله يخاطب المؤمنين على أنهم وحدة بنيانية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " . ويقول الحق : { وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ … } [ الحجرات : 11 ] . ويقول في موضع آخر : { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ … } [ النور : 61 ] . فهل يسلم المؤمن على نفسه أو يسلم على مَنْ دخل عليهم ؟ إن الحق يريد بالتشريع أن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد ، ولذلك قال أيضاً : { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ … } [ النساء : 29 ] . أي لا تقتلوا غيركم ، والمعنى هو أن الوحدة الإيمانية يجب أن تجعلنا متكاتفين في وحدة . { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ … } [ النساء : 25 ] . وقد تقول : إن إيمان ملك اليمين ضعيف وتجعلها علة . يقول لك الحق : لا { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ … } [ النساء : 25 ] ولعل أمة خير في الإيمان منك لأن هذه مسألة دخائل قلوب ، وأنت يكفيك أن تعلم الظاهر . والحق سبحانه وتعالى حين يعالج الأمر يعالجه معالجة رب يعلم واقع ما خلق ويعطي كل مطلوبات المخلوق ، هو أولاً أوضح : أنتم إن كنتم لا تستطيعون طولاً أن تنكحوا المحصنات فانكحوا الإماء ، وهذا من أجل مزيد من تصفية الرق . بعد ذلك يقول : { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ … } [ النساء : 25 ] فإن كنت ستتزوج يجب أن تجعل نصب عينيك أمراً هو : أن { بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ … } [ النساء : 25 ] . أي أنكم جميعاً من آدم . وما دمت قد آمنت ، فالإيمان سوَّى بينكما ، فإذا ذهبت لتتزوج فلا بد أن تضع هذا نصب عينيك ، إنه سبحانه يعالج واقعاً . ويقول بعد ذلك : { فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ … } [ النساء : 25 ] . وهذا إشعار بأن مَنْ تحت يده فتاة بملك يمينه فعليه أن يعاملها معاملة الأهل ليعوّضها عما فقدته عند أهلها هناك ، ولتشعر أنها في حضانة الإسلام مثلما كانت في حضانة أهلها وآبائها أو أكثر . إذن فالذي يملك لابد أن يجعل نفسه من الأهل ، وبذلك يزيد الحق سبحانه وتعالى من أبواب تصفية الرق ، وأوضح : فإن لم يُدخل واحد منكم مَنْ يملكه في هذه المصافي فسوف يبقيه رقيقاً ، وإذن فعليه أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه ما لا يطيق ، فإن كلفه ما لا يطيق فيدك بيده . وعندما يوجد معك إنسان تلبسه من لبسك وتطعمه من أكلك ، وعندما يعمل عملاً يصعب عليه فأنت تساعده ، فأي معاملة هذه ؟ إنها معاملة أهل . انظر كم مسألة يعالجها الحق : يعالج طالب الزواج ويعالج المملوكة ، ويعالج السادة ، إنه تشريع ربّ الجميع . فلا يشرع لواحد على حساب آخر . وما دامت ملك يمين ولها سيّد فهذا السيد له مصالح لابد أن تستأذنه ، فقد لا يستطيع أن يستغني عنها لأنها تخدمه ، فقال : { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ … } [ النساء : 25 ] ، لكن في المهور قال : { فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ … } [ النساء : 25 ] فالأمة تنكح بإذن من يملكها كي يعرف أن هناك من دخل شريكاً له في العملية ويأخذ البضع وهو الزوج ، وحين يُستأذن السيد ويزوّجها فهو يعلم أنها لم تعد له ، وبذلك لن يأخذها أحد من خلف ظهره ، وهو بالاستئذان والتزويج يرتب نفسه على أن البضع قد أغلق بالنسبة له ، وبقيت له ملكية الرقبة . أما ملك البضع فهو للزوج . { وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ … } [ النساء : 25 ] فإياكم أن تقولوا : هذه مملوكة يمين وأي شيء يرضيها ويكفيها ، لا . فلها مهر بالمعروف أي بالمتعارف الذي يعطيها ميزان الكرامة في البيئة ، { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ … } [ النساء : 25 ] وقلنا : إن المحصنة هي العفيفة ، { غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ … } [ النساء : 25 ] والمسافحَة هي مَنْ تمارس وتزاول عملية الزنَى ، ويسمونها : امرأة عامة ، ومتخذات أخدان : أي يتخذن عشّاقاً وأخدانا . { فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ … } [ النساء : 25 ] أي إذا تزوجت الإماء وجاءت الواحدة منهن بفاحشة فلها عقاب . أما إن لم تحصن فليس عليهن حاكم ويقوم سيدها بتعزيرها وتأديبها لأن الأمة عادة مبتذلة ، لكن عندما تتزوج تصير محصنة ، فإن أتت بفاحشة نقول لها : أنت لك عقابك الخصوصي ، لن نعاقبك عقاب الحرّة ، لأن الحرة يصعب عليها الزنَى ، لكن الأمة قد لا يصعب عليها أن يحدث منها ذلك ، فليس لها أب ولا أخ ولا أسرة ، فقال : { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ … } [ النساء : 25 ] ، أي نصف ما على الحرائر من العذاب . لكن الخوارج أخذوا الكلمة في معنى من معانيها ليخدم قضية عندهم وقالوا : إن " المحصنات " هن المتزوجات ، هم يريدون أن يأخذوها بمعنى المتزوجات كي يقولوا : ما دامت الأمة عليها نصف ما على المتزوجة ، إذن فالمتزوجة ليس عليها رجم لأن الرجم لا ينصف ، والخوارج أخذوا هذه وقالوا : إن القرآن لا يوجد فيه رجم واكتفوا بجلد الزانية مائة جلدة . ونقول لهم : أنتم أخذتم المحصنة على معنى أنها المتزوجة ، ونسيتم { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ … } [ النساء : 25 ] ، فالمحصنات هن الحرائر ، فلماذا أخذتم المحصنات هناك بمعنى الحرائر والمحصنات هنا بمعنى المتزوجات ؟ ! إن عليكم أن تأخذوها بمعنى الحرائر ولا حجة لكم في مثل هذا الباطل . وبذلك تسقط الحجة ، فالدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال . ثم نبحث بحثاً آخر ، نقول : يقول الحق : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ … } [ النساء : 25 ] لو أن الحكم على إطلاقه لما قال الحق : { مِنَ ٱلْعَذَابِ … } [ النساء : 25 ] ، فكأن الذي عليها فيه النصف هو العذاب ، وما هو العذاب ؟ العذاب هو إيلام مَنْ يتألم ، والرجم ليس فيه عذاب لأنه عملية إنهاء حياة ، والآية تبين المناصفة فيما يكون عذاباً ، أما ما لا يكون عذاباً فهو لا ينصّف والحكم غير متعلق به . فالعذاب إنما يأتي لمَنْ يتألم ، والألم فرع الحياة . والرجم مزيل للحياة ، إذن فالرجم لا يعتبر من العذاب ، والدليل على أن العذاب مقابل للموت أن الحق سبحانه وتعالى حينما حكى عن سيدنا سليمان وتفقده الطير قال : { مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ … } [ النمل : 20 - 21 ] . فالذبح وإزهاق الحياة مقابل للعذاب ، فقوله : { نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ … } فالمتكلم فيه الآن العذاب وليس الرجم ، وليس إزهاق الحياة وبهذا يسقط الاستدلال . والذين يقولون : إن آيات القرآن لا تدل على رجم نقول لهم : ومَنْ الذي قال لكم إن القرآن جامع لكل أحكام منهج الله في الإسلام وأنه فصل كل شيء ؟ . القرآن لم يجيء كتاب منهج فقط ، وإنما جاء معجزة وكتاب منهج للأصول ، ثم ترك للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما نزل إليهم فضلاً على أن الرسول صلى الله عليه وسلم بنص القرآن عنده تفويض من الله أن يشرع ، وتلك ميزة تميّز بها صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين فالله قد أعطاه الحق في أن يشرع ، بدليل أنه سبحانه قال في صلب القرآن الذي يشتمل على أصول منهج الإسلام : { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ … } [ الحشر : 7 ] . إذن فللرسول عمل مع القرآن ، وإلا فليقل لي مَنْ يدّعي أنّ في القرآن كل حكم من أحكام دين الله ، من أين أخذ تفصيل حكم الصلوات الخمس ؟ ومن أي آية أخذ أن الصبح ركعتان ؟ وأخذ الظهر أربعاً وأخذ العصر أربعاً ، والمغرب ثلاثاً ، والعشاء أربعاً ، من أين أخذها ؟ ! إذن لا يوجد شيء من ذلك ، فما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن القرآن جاء كتاب معجزة وفيه منهج يتعلق بالأصول . وما دام المنهج الذي تعلق بأصول الأشياء قد أعطى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرع ، إذن فتشريعه مأمور به ومأذون فيه من صلب القرآن . ولذلك إذا جاء لك حكم من الأحكام وقال لك المتعنت : هات لي هذا الحكم من القرآن ، ونظرت في كتاب الله فلم تجد ، فقل له : دليل الحكم في القرآن هو قول الله : { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ … } [ الحشر : 7 ] ، وأي حكم من الأحكام يأتي ولا تجد له سنداً من كتاب الله ويقال لك : ما سنده ؟ قال : { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ … } [ الحشر : 7 ] . والمنهج أوامر ونواهٍ . إذن فالطاعة أن تمتثل أمراً وتجتنب نهياً ، تلك هي الطاعة ، كل منهج أو دين أمر ونهي ، فامتثل الأمر واجتنب النهي . وأنت إذا تصفحت القرآن وجدت آيات الطاعة المطلوبة من المؤمن بمنهج الله والذي شهد بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله تتمثل في الأمر والنهي . فإذا ما استقرأت القرآن وجدت - كما قلنا سابقاً - أن الحق سبحانه وتعالى يقول مرة في الطاعة : { قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ … } [ آل عمران : 32 ] . ولم يكرر الحق هنا أمر الطاعة ، فالمطاع هو المكرر ، فـ " أطيعوا " أمر واحد ، نطيع مَنْ ؟ . الله والرسول ، المطاع هنا هو الله والرسول ، ومرة يكرر أمر الطاعة فيقول : { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ … } [ المائدة : 92 ] . ومرة ثالثة يقول : { وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ النور : 56 ] . ومرة رابعة يقول : { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ … } [ النساء : 59 ] . وأدخل هنا أولي الأمر أيضاً ، إذن فمرة يأمر بالطاعة ويكرر المطاع فقط ، أي : يوحد أمر الطاعة ، ويكرر المطاع { قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ … } [ آل عمران : 32 ] فوحد أمر الطاعة وكررالمطاع ، ومرة يكرر أمر الطاعة ، ويكرر معها المطاع : { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ … } [ آل عمران : 92 ] ، ومرة يقول : { وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُول … } [ النور : 56 ] فإذا قال لك : { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ … } [ آل عمران : 32 ] فالأمر قد توارد فيه حكم الله وحكم الرسول . إذن فتطيع فيه الله والرسول ، وإذا كان الله أمر إجماليٌّ وللرسول أمر تفصيليٌّ كالصلاة والزكاة والحج ، إذن فتطيع الله وتطيع الرسول . وإذا لم يكن لله أمر فيه بل جاء من باطن التفويض في قوله سبحانه : { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ … } [ الحشر : 7 ] ، فهذا الأمر أطيع فيه الرسول ، لأنه جاء في آية أخرى قوله : { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ … } [ النساء : 80 ] ، لماذا ؟ لأن الرسول عمل بالتفويض الذي أعطاه الله له حسب قول الحق : { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ … } [ الحشر : 7 ] . وبقيت طاعة أولي الأمر التي جاءت في قوله : { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ … } [ النساء : 59 ] أي أطيعوا أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسوله ، فلم يفرد ولي الأمر بطاعة وإنما جعل طاعته من : { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ … } [ النساء : 59 ] ، فلم يقل : وأطيعوا أولي الأمر ، بل قال : وأولي الأمر ، أي من باطن طاعة الله والرسول ، إنها دقة الأداء في القرآن . تأمل ما يقوله الحق سبحانه : { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ … } [ الحشر : 7 ] . لقد قلنا : إن الطاعة امتثال أمر واجتناب نهي ، والموجود هنا " آتاكم " و " نهاكم " فـ " آتى " هذه جاءت بدل وما أمركم والنهي موجود بلفظة " وما نهاكم عنه " الأمر هو " آتاكم " ، ولماذا لم يقل : وما أمركم به الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ؟ ولماذا لم يختصر فيقول : وما آتاكم الرسول فخذوه ؟ ! لأن الإتيان من الرسول إما أن يكون قولاً وإما أن يكون فعلاً ، ولكن أيكون المنهيّ عنه فعلاً يفعله الرسول ؟ ! لا يمكن . إذن فالنهي لا يتأتى إلا نهياً ومنعاً من الفعل ، لكن الإيتاء يكون قولاً أو فعلاً لأنه عندما يقول لك : لا تشرب الخمر ، فماذا كان يفعل النبي كي نأخذه من الفعل ؟ إن الرسول قطعاً لم يشرب الخمر . إذن فقول الرسول وفعله يتأتى في المأمور به ، وأما في المنهي عنه فلا يتأتى إلا قولاً . بالله أمِنَ الممكن أن يأتي بهذا عقل بشري ؟ لا يمكن ، ولا يقولها إلا الله . ثم نبحث بحثاً آخر يا خوارج . إن الرسول إنما جاء ليبلغ عن الله - ومراد التبليغ أن يعلمنا بالحكم ، لنؤدي مدلوله ، فإذا جاء حكم قولاً بالنص ، فالذي يشرحه لنا هو ما يفعله الرسول ، وحين يفعله الرسول أيوجد مجال للكلام في هذا النص ؟ لا يوجد ، بل تكون المسألة منتهية . إذن فالفعل أقوى ألوان النص في الأوامر لأن الأمر قد يأتي كلاماً نظرياً ، وقد يتأول فيه البعض . لكن عندما يفعل الرسول يكون الحكم لازماً لأن الذي فعل هو المشرع . أرجم رسول الله أم لم يرجم ؟ قد فعل رسول الله ذلك ، وفعله هو نص عمليّ . إنّ الفعل ليس نصاً قوليّاً يُتأول فيه . لقد رجم الرسول ماعزاً والغامدية ورجم اليهودي واليهودية وكانا قد أحصنا بالزواج والحرية ، وفعل الرسول هو الأصل في الحكم ، فدليل الخوارج إذن قد سقط به الاستدلال وبقي ما فعله المشرع وهو الرسول المفوض من الله في أن يشرع قولاً أو فعلاً أو تقريراً ، أي يرى أحداً يفعل فعلاً فيقرّه عليه . ثم نبحثها بالعقل : إذا كنت تريد ألا يوجد في الزنَى حد إلا الجلد ، أتسوي بين من لم يتزوج ومن تزوج ؟ إن المتزوجة لها عرض ولها زوج ولها نسب ونسل . هل هذه مثل تلك التي لم تتزوج ؟ ! إن هذا لا يتأتى أبداً بالعقل ، إذن فحكم الرجم موجود من فعل الرسول ، والدليل الذي استدل به الخوارج هو دليل تسرب إليه الاحتمال . والدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال . { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ … } [ النساء : 25 ] ومَنْ هو المقصود بـ " ذلك " ؟ المقصود به إباحة نكاح الإماء لمَنْ لم يجد طوْلاً أن ينكح من الحرائر . وما هو " العنت " ؟ " العنت " هو المشقة والجهد ، وإرهاق الأعصاب ، وتلف الأخلاق والقيم ، لأن الإنسان إذا هاجت غرائزه إما أن يعف وإما أن ينفلت . فإن انفلت فقد تسرب الفساد إلى قيمه وإلى خلقه ، وإن لم ينفلت والتزم ، ماذا يحدث ؟ سيقع بين أنياب المرض النفسي وتأتيه الأمراض العصبية . فأباح له الله أن يتزوج الأَمَةَ ، إن لم يجد طوْلاً في الزواج من الحرائر . وبذلك يكون مفهوم الآية : إن الذي لا يخشى العنت فليس ضرورياً أن يتزوج الأَمَةَ . وليس هذا تزهيداً في الأَمَةِ بل فيه احترام لها ، لأنها إن تزوجت ثم ولدت ممن تزوجته فسيصبح ولدها عبداً ، والله يريد أن يصفي الرق والعبودية ، فيوضح له : دعها لسيدها فإن أعجبته وَحَلَت في عينيه ووطئها وجاءت منه بولد فستكون هي والولد من الأحرار إنهما قد دخلا في دائرة الحرية . إذن فالحق يريد أن يصفي الرق ، ثم قال : { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ … } [ النساء : 25 ] أي وصبركم عن نكاح الإماء . وأنتم في عفة وطهر عن مقارفة الإثم إن ذلك خير لكم من زواجهن ، فنكاح الحرائر أفضل . ويذيل الحق الآية : بقوله : { وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ النساء : 25 ] أي إنه غفور لما قد بدر وحصل منكم من ذنوب استغفرتم ربكم منها رحيم بكم فلا يعاجلكم بالعقوبة شفقة عليكم وحباً في رجوعكم إليه . ويقول الحق من بعد ذلك : { يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ … } .