Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 8, Ayat: 38-38)

Tafsir: Ḫawāṭir Muḥammad Mutawallī aš-Šaʿrawī

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

و " قل " أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وما دام قد وجد أمر ، فلا بد من وجود المُبَلِّغ للأمر ، أي أن هناك مُخاطِباً ومُخاطَباً ، والمُخاطِبُ هنا هو الله سبحانه ، والمخاطَب هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأن الله تعالى قال له : " قل " ، والبلاغ المطلوب منه إبلاغه للناس هو ما يتضمنه قول المولى سبحانه : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ … } [ الأنفال : 38 ] . أي إن انتهوا عن الكفر غفرت لهم ذنوبهم التي ارتكبوها أيام كفرهم ، ونلاحظ هنا اختلافاً في أسلوب الكلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يخاطب الكافرين كان الذي يفرضه السياق أن يقول لهم : إن تنتهوا يغفر لكم لأن الخطاب لا بد أن ينسجم مع المخاطب ، وعادة عندما توجه الخطاب لشخص تكون هناك " لام التوجيه " ، تقول : وجهت الخطاب لفلان ، وتخاطبه بشكل مباشر ، ولكن الله يقول هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ … } [ الأنفال : 38 ] . وكان سياق الكلام يقتضي القول : إن تنتهوا يغفر لكم ، ولكن الله سبحانه وتعالى عدل عن إن تنتهوا إلى " إن ينتهوا " ، والكلام مخاطب به الكفار ، والكفار حاضرون فكيف يخاطبهم بصيغة الغائب ؟ لقد أراد الله تعالى أن يأتي الخطاب ليعم كل متكلم يقال له هذا الكلام من أي مؤمن ، فكأنه قد عمم الخطاب ليقطع المعاذير . ومثل ذلك مثل قول الحق تبارك وتعالى : { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ … } [ الأحقاف : 11 ] . وإذا أخذنا ذات المقياس لكان الكلام يقتضي أن يقال : لو كان خيراً ما سبقتمونا إليه ، ولأن هذه العبارة قيلت من أكثر من كافر في أماكن متعددة للمؤمنين ، وأراد الله سبحانه وتعالى : أن يلفتنا لذلك ، فعمم الخطاب حتى يشمل جميع الحالات ولا ينطبق على حالة واحدة فقط ، بل ينطبق على كل حالة مماثلة لذلك قال سبحانه : { إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ … } [ الأنفال : 38 ] . وهذا يدلنا على أنهم إن انتهوا عن مقاومة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنادهم معه فهو سبحانه وتعالى يغفر لهم ، لأن العناد والمقاومة ناشئان عن الكفر ، فإن انتهوا عنهما ، صاروا مؤمنين . والإسلام يَجُبُّ ما قبله . ولذلك عندما أعلن محارب عن إيمانه واعتنق الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ثم دخل المعركة فاستشهد صار شهيداً لأنه قد غُفر له بشهادة الإسلام كل ذنوبه التي حدثت منه أثناء الكفر ، وهي الذنوب التي تتعلق بحقوق الله تعالى ، أما ما يتعلق بحقوق الناس ، فعلى ورثته أن يؤدوها عنه . ثم يقول الحق تبارك وتعالى : { وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ } [ الأنفال : 38 ] . وقوله هنا : { وَإِنْ يَعُودُواْ } أراد به الله أن يعلمنا أن تجري هذه الكلمة على اللسان ، فإن عادوا مرة أخرى إلى الكفر والعناد ، يطردوا من رحمة الله ومغفرته ، إذن فشرط الغفران لهم أن يستمروا في إيمانهم وألا يعودوا للكفر مرة أخرى ، وقوله تعالى : { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ } . والسنة هي الطريقة أو الكيفية أو الحالة التي يكونون عليها ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } [ الأحزاب : 62 ] . أي الطريقة التي اختارها الله لمعالجة الأمور بالحق والعدل ، ومعنى قوله تعالى : { مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ } . أي الطريقة التي عرفتموها وعالج بها الله عز وجل أمر من عاند الرسل ووقف منهم موقف المنازعة والمعارضة . ومثل ذلك حدث للكفار في بدر ، فكأن من يقف أمام دعوة الله ومنهجه لا بد أن يتعرض للهلاك كما حدث مع كل من قاوم الأنبياء ، فأنتم تعرفون ما صنعه الله بقوم هود وقوم عاد وقوم ثمود وقوم فرعون . ومر كل ذلك عليكم ، كسنة عامة تشمل كل من قاوم الأنبياء ووقف في طريق دعوتهم إلى الله . والخطاب هنا إمَّا أن يكون خطاباً لهم على حالهم في وطنهم وما حدث للمخالفين في بدر وقد رأوا مصارعهم ، وإمَّا أن يكون الخطاب مبيناً لسنة الله تعالى وقد شاءت سنته سبحانه إبادة كل مخالف لسنته . ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله … } .