Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 8, Ayat: 30-30)
Tafsir: Muḫtaṣar tafsīr Ibn Kaṯīr
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : { لِيُثْبِتُوكَ } ليقيدوك ؛ وقال عطاء وابن زيد : ليحبسوك ، وقال السدي : الإثبات هو الحبس والوثاق ، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء ، وهو مجمع الأقوال ، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء ، وقال عطاء : سمعت ( عبيد بن عمير ) يقول : " لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ، قال له عمه أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا بك ؟ قال : " يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني " ، قال : من أخبرك بهذا ؟ قال : " ربي " ، قال : نعم الرب ربك استوص به خيراً ، قال : " أنا استوصي به ؟ بل هو يستوصي بي " ، قال فنزلت : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } " الآية . والدليل على صحة ما قلنا ، ما روى محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن مجاهد عن ابن عباس : أن نفراً من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل ، فلما رأوه قالوا له من أنت ؟ قال شيخ من أهل نجد سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ، ولن يعدمكم رأيي ونصحي قالوا : أجل أدخل فدخل معهم ، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل ، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره ، فقال قائل منهم : احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة ، قال : فصرخ عدو الله فقال : والله ما هذا برأي ، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه ، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم ، قالوا صدق الشيخ فانظروا في غير هذا ؛ قال قائل منهم : أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه ، فإنه إذا خرج لن يضركم ما نصع إذا غاب عنكم أذاه ، فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله ، وطلاقة لسانه ، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم ، قالوا صدق والله ، فانظروا رأياً غير هذا ؛ قال : فقال أبو جهل لعنه الله : والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ، لا أرى غيره ، قالوا : وما هو ؟ قال : تأخذون من كل قبيلة غلاماً شاباً وسيطاً نهداً ، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها ، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل ( الدية ) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه ، قال : فقال الشيخ النجدي ، هذا والله الرأي ، القول ما قال الفتى ، ولا أرى غيره ؛ قال : فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له ، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأخبره بمكر القوم ، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة ، وأذن الله له عند ذلك بالخروج ، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ } ، وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون : { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } [ الطور : 30 ] . قال ابن إسحاق : أتاه جبريل عليه السلام فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( علي بن أبي طالب ) فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له أخضر ، ففعل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم ، وهم على بابه ، وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذروها على رؤوسهم ، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ : { يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ } [ يس : 1 - 2 ] إلى قوله : { فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [ يس : 9 ] . وقد روى ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه " عن ابن عباس قال : " دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي ، فقال : " ما يبكيك يا بنية " ؟ قالت : يا أبت ومالي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحِجْر يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك ، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك ، فقال : يا بنية ائتني بوضوء " ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج إلى المسجد ، فلما رأوه قالوا : ها هو ذا ، فطأطأوا رؤوسهم ، وسقطت رقابهم بين أيديهم فلم يرفعوا أبصارهم ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها ، وقال : " شاهت الوجوه " فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافراً " وعن ابن عباس في قوله : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ } الآية . قال : " تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل اخرجوه ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا علياً رد الله تعالى مكرهم ، فقالوا : أين صاحبك هذا ؟ قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا في الجبل ، فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هٰهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال " وقال عروة بن الزبير في قوله : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ } أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم .