Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 29, Ayat: 11-19)

Tafsir: al-Hidāya ilā bulūġ an-nihāya

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله تعالى ذكره : { وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } إلى قوله : { عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } . فمعنى قوله تعالى : { وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ } . أي : وليعلمنّ أولياء الله وحزبه أهل الإيمان بالله منكم من أهل النفاق وهو قوله : { وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ } . ثم قال تعالى { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا } أي : كونوا على ما نحن عليه من الكفر { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } إن بعثتم وجوزيتم ، فنحن نحمل / آثام خطاياكم عنكم . وذلك قول الوليد بن المغيرة : قال للمؤمنين : كونوا على ما نحن عليه من الكفر ونحن نحمل خطاياكم . قيل : هو من الحمالة وليس من الحمل على الظهر . فالمعنى اتبعوا ديننا ونحن نضمن عنكم كل ما يلزمكم من عقوبة ذنب ، وما هم بحاملين : أي : بضامنين ذلك . وقيل : ذلك قول كفار قريش لمن آمن منهم : أنكروا البعث والجزاء فقالوا للمؤمنين أنكروا ذلك كما ننكره نحن ، فإن بعثتم وجوزيتم فنحن نحمل عنكم خطاياكم . قال الله تعالى : { وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في قولهم . ثم قال تعالى : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } أي : وليحملنّ هؤلاء المشركون أوزارهم وأوزار من أضلّوا وصدوا عن سبيل الله . { وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي : يكذبون . ومثله قوله تعالى { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ } [ النحل : 25 ] . قال قتادة : في حديث رفعه " من دعا إلى ضلالة كُتبَ عليه وزرها ووِزرُ من عَمِل بها ولا يَنْقُصُ منه شيء " . وقال أبو أمامة الباهلي : " يُؤْتى بالرّجل يومَ القيامة يكونُ كثيرَ الحسناتِ فلا يزَالُ يقتصُّ منه حتى تَفْنى حسناته ، ثم يُطالبُ فيقولُ الله جلّ وعزّ : اقتصُّوا من عبدي فتقول الملائكة ، ما بقيَتْ له حسناتٌ ، فيقولُ خذوا من سيّئاتِ المظلومِ واجعلوها عليه . قالَ أبو أمامة : ثم تلى النبيّ صلى الله عليه وسلم : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } " . ثم قال تعالى ذكره : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } . وهذه الآية وعيد من الله للمشركين من قريش القائلين للمؤمنين منهم : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم . فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما لحقه من قومه . فالمعنى تسلَّ يا محمد ولا تحزن فإن مصيرك ومصير من آمن بك إلى النجاة ، ومصير من كفر بك إلى البوار والهلاك كفعلنا بنوح وقومه . ذكر عون بن أبي شداد : أن الله جلّ ذكره أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة ، فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً . ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مائة سنة . وروى ابن وهب عمّن سمع عبد الوهاب بن مجاهد يقول : مكث نوح يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلاّ خمسين عاماً ، يدعوهم إلى الله يسره إليهم . قال : ثم يجهر به إليهم ، قال : فيأخذونه ، فيخنقونه حتى يُغشى عليه فيسقط مغشياً عليه ، ثم يفيق فيقول : اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون قال : ويقول للرجل ابنه : يا أبه ، ما لهذا الشيخ يصبح كل يوم ولا يفيق ، فيقول له : أخبرني جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان . وقوله تعالى ذكره : { فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } . أي أهلكهم الماء الكثير في حال كفرهم وظلمهم لأنفسهم . وكل ماء كثير فاش فهو عند العرب طوفان . وكذلك الموت الذريع الكثير ، يقال له : طوفان . مشتقّ من طاف يطوف وهو اسم موضوع لما أحاط بالأشياء . ثم قال تعالى ذكره : { فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ } أي : أنجينا نوحاً ومن معه في السفينة من ولده وأزواجهم . { وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } أي : وجعلنا السفينة عبرة وعظة للعالمين وحجة عليهم . قال قتادة : أبقاها الله آية للناس على الجودي . وقيل : المعنى : وجعلنا عقوبتنا آية . ثم قال تعالى : { وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } . قال الكسائي : " وإبراهيم " عطف على الهاء في " أنجيناه " وهي : نوح . أي : أنجينا نوحاً وإبراهيم . وقيل : المعنى : وأرسلنا إبراهيم . وقيل : المعنى : واذكر إبراهيم . { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ } أي : اتقوا سخطه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه . { ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي : هذا الفعل خير لكم من غيره { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ما هو خير لكم مما هو شر لكم . ثم قال تعالى : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً } أي : أصناماً . { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } أي : تقولون كذباً . وقال ابن عباس : معناه : تصنعون كذباً . وعن ابن عباس : تخلقون : تنحتون ، أي : تصورون إفكاً . وقاله الحسن . فالمعنى أن الذين تعبدون من دون الله أصنام وأنتم / تصنعونها . ثم قال : { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً } يعني الأصنام التي عبدوها من دون الله لا تقدر لهم على نفع فترزقهم . { فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ } أي : التمسوا من عند الله الرزق لا من عند الأوثان . { وَٱعْبُدُوهُ } أي : ذلوا له . { وَٱشْكُرُواْ لَهُ } على رزقه إياكم . { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي : تردون من بعد مماتكم فيجازيكم على أعمالكم ويسألكم على شكر نعمه عندكم . ثم قال تعالى : { وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ } أي : إن تكذبوا أيها الناس محمّداً فيما دعاكم إليه ، فقد كذب جماعات من قبلكم رسلها فيما أتتهم به من الحق ، فحلّ بهم سخط الله ، فكذلك سبيلكم سبيل الأُمم فيما هو نازل بكم ، إذا كذبتم رسولكم . { وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } أي : ما على محمد إلاّ أن يبلغكم من الله رسالته الظاهرة لمن سمعها . ثم قال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي : ألم يرَ هؤلاء المنكرون للبعث كيف يُبدئ الله خلق الإنسان من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم ينقله حالاً بعد حال حتى أن يصير رجلاً كاملاً . فمن قدر على هذا فهو قادر على إعادة المخلوق بعد موته ، وذلك عليه هيّن لأن الإعادة عندكم أسهل من الابتداء ، إذ الابتداء كان على غير مثال والإعادة هي على مثال متقدم ، فذلك أسهل وأيسر فيما يعقلون . وقيل : معناه : كيف يُبدئ الله الثمار وأنواع النبات فتفنى بأكلها ورعيها وشدّة الحرّ عليها ، ثم يعيدها ثانية أبداً أبداً ، وكيف يُبدئ الله خلق الإنسان فيهلك ، ثم يحدث منه ولداً ، ثم يحدث للولد ولداً ، وكذلك سائر الحيوان يبدئ الله خلق الوالد ثم يعيد منه خلق الولد ، ويهلك الوالد ، وهكذا أبداً … فاحتجّ الله عليهم بذلك لأنه أمر لا ينكرونه ، يقرون به فمن قدر على ما تقرون قادر على إعادته بعد موته ، وذلك أهون عليه فيما تعقلون ، وكل عليه هيّن . ومعنى { يَرَوْاْ } : يعلموا .