Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 3, Ayat: 14-17)

Tafsir: Taʾwīlāt ahl as-sunna

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ } . أي : الشيهات . { مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ } . وما ذكر … إلى آخره . قال الحسن : واللهِ ما زيّنها إلا الشيطان ؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من الله تعالى ، وإليه يذهب المعتزلة ، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله : أن الله - عز وجل - زيَّن هذه الأشياء ، والتزيين من الله [ - سبحانه ] وتعالى - يقع لوجهين ، وكذلك الكراهة - أيضاً - تقع لوجهين : تزين في الطباع ، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويُشْتَهي ، وإن لم يكن في نفسه حَسَناً . وتزين في العقل ، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه ، أو الأمر او حمد العاقبة ونحو ذلك ، ثم جعل العقل مانعاً له ، ردّاً عما يرغب إليه الطبع ويميل ؛ لأن الطبع أبداً يميل [ ويرغب ] إلى ماهو ألذّ وأشهي وأخف عليه ، وينفر عما يضره ويؤلمه . والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه ، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه ؛ وعلى ذلك يخرج قوله صلى الله عليه وسلم : " حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ ، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ " ليس على كراهة العقل ، ولا على شهوة العقل ؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته ؛ وكذلك قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [ البقرة : 216 ] : ليس على كراهة الاختيار ، ولكن كراهة الطبع ؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار ، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار ، وفيها تجري الكلفة - أعني : على اختيار العقل ، لا اختيار الطبع - بما يميل ويرغب في الألذّ ، وينفر عن الضارِّ ؛ دليله قوله : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [ النساء : 65 ] أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجاً ؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته ، لا على اختيار الطبع ؛ لذلك قلنا : إنه يجوز التزيين في الطبع من الله تعالى ، وكذلك الكراهة في الطبع تكره من الله تعالى . فأمّا قولهم : إن الشيطان هو الذي زينها : فإن عنوا أنه يزينها لهم ، أي : يرغبهم ويدعوهم إليها ، ويريهم زينتها - فنعم . وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نَفَّسَهَا لهم - فلا ؛ لأن الله - تعالى - وصف الشيطان بالضعف ، ونفي عنه هذه القدرة بقوله : { إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً } [ النساء : 76 ] ، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا ، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف ؛ ولكن كان قويّاً ، ولكنه يدعوهم إليها ، ويرغبهم فيها ، ويريهم المزين لهم ، ثم دعاؤه إيَّاهم ، وحجَّته في ذلك ، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } [ الأعراف : 27 ] ، فالعدو الَّذي يَرَى هو من يعاديه ، ولا يُرَى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه ، وأخوف ممن يرى . ووجه آخر : أن الشهوات التي أضافت التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة لله [ تعالى ] ، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها ، والترغيب فيها . وفيه وجه آخر : أنه لو لم يجعل هذا مزيناً من الله تعالى ، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب ، وبالدنيا على الآخرة . وقد جعل ما في الدنيا نوعين : مستحسناً ومستقبحاً . وجعل ذلك عياراً لما أوعد ووعد ، فلما لم يكونا منه - لا يصح موضع التعيير ، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخَّر كلّ مرغوب في الدّنيا ، ومدعو إليه من جوهره - في الآخرة ، وحسنه ؛ ليرغب الناسَ هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه زينته ، ويدعوهم إلى ترك ما في الدّنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبداً ، فلو جعل هذا من تزيين الشيطان - لعنه الله - ومصنوعه لهم ، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا ؛ فدلّ أنه مزين منه عز وجل ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً . ثمّ امتحنهم [ الله ] - عز وجل - بترك ما زين لهم في الطباع ؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة ؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين ، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب ، لا بما مالت إليه الطباع ، ونفرت عنه العقول ، وبالله التوفيق . ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال ، وكذلك الخيل ، وأمّا في النساء والبنين : فلما مُتِّعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك . وقوله - عز وجل - { وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } : أوجب في النساء عليهم النفقة ، وكذلك البنين ، وأوجب في الذهب والفضّة حقا ، ثم ذكر الخيل المسوّمة : إن كان المراد منه جعلها سائمة ؛ لذلك قال أبو حنيفة [ رضي الله عنه ] : إِنَّ فِي الخَيْلِ صََدَقَةً ، ثم اختلف في المسوّمة ؛ قال بعضهم : هي المسيبّة الراعية . وقال آخرون : هي المعلمة ، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - : " المُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَة " . وقال غيرهم : المُطَهَّمَة ، وهي المُحَسَّنة . ثم أخبر أن ما ذكر في الآية { ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } ، وأمرهم بترك ذلك ، وأخبر أن لهم عنده : { حُسْنُ ٱلْمَآبِ } ، إن هم تركوا مما امتُحِنُوا [ به ] ، ثم قال : إن من اتقى في الدنيا [ له خير ] من ذلك بقوله : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ … } إلى آخره . ثم اختلف في { وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ } ؛ منهم من قال : ألف ومائتا أوقية . ومنهم من قال : اثنا عشر ألفاً . ومنهم من يقول : سبعون ألف دينار . ومنهم من يقول : هو بلسان الروميّة : ملء مَسْكِ ثور ذهباً أو فضة . ومنهم من يقول : كل مائةٍ قنطارٌ من كل شيء ، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يُدرَى ما مقداره ، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة ؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال ؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر ، والله أعلم . وقوله : { خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } . قيل : مطهرة : من الآفات كلها ، من الأخلاق السيئة ، والأقذار والعيوب كلها ، وقد ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة ؛ قال : وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب ؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء ، وهم خلقوا للبقاء ، إلا أن الذِّكْر جَرَى للنساء ؛ لما ظهر في الدنيا [ فيهن ] من فضل المعايب والأذى . وقوله : { ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا … } الآية . قد رضي [ منهم ] بهذا القول ، وفيه تزكية لهم ، ولو كان الإيمان : جميعَ الطاعات - لم يرض منهم [ التزكية بها ، وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيراً من هذا الذي زيّن ] للناس في الدنيا من النساء ، وما ذكر إلى آخره . وقوله : { لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا } : يحتمل : اتقوا الشرك . ويحتمل : للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها . وقوله : { ٱلصَّابِرِينَ } . قيل : الصَّابرين على طاعة الله . وقيل : [ الصابرين ] على أداء الفرائض . وقيل : الصّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد . والصبر : هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي . وقوله : { وَٱلصَّادِقِينَ } . قيل : في إيمانهم . وقيل : الصَّادقين بما وَعَدوا . وقيل : الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون . { وَٱلْمُنْفِقِينَ } . يحتمل الإنفاق : ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات . ويحتمل المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضاً من حق القرابة والصلة . { وَٱلْقَانِتِينَ } . قيل : القانت : الخاضع . وقيل : القانت : المطيع . وقيل : الخاشع ، وكله يرجع إلى واحد ، وأصله : القيام ، وكل من قام لآخر كان مطيعاً وخاشعاً وخاضعاً ومقراً . وقيل : القانت : المقرّ كقوله : { كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } [ البقرة : 116 ] ، أي : مقرون . وقال قتادة : { ٱلصَّابِرِينَ } : الذين صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن محارمه . { وَٱلصَّادِقِينَ } : الذين صدقت نياتهم ، واستقامت قلوبهم وألسنتهم ، وصدقوا في السّر والعلانية { وَٱلْقَانِتِينَ } : المطيعين . { وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } ، { وَٱلْمُنْفِقِينَ } : يعني : نفقة أموالهم في السبيل الله . { وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } : قيل : المصلين بالأسحار . وقيل : المصلين في أوّل الليل ، والمستغفرين في آخره . وأصل الاستغفار : طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم ، على ندامة القلب ، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبداً ، ليس كقول الناس : نسغفر الله ، غير ندامة القلب ، وأصل الاستغفار في الحقيقة : طلب المغفرة بأسبابها ، ليس أن يقول بلسانه : اغفر لي ؛ كقول نوح [ عليه السلام ] : لقومه : { ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } [ نوح : 10 ] أمرهم بالتوحيد ، ثم أخبر - عز وجل - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا ، والله أعلم .