Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 32, Ayat: 26-30)

Tafsir: Tafsīr al-Ǧīlānī

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

{ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } أي : أهل مكة إلى سبيل الرشاد ، ولم يوقظهم عن هجعة الغفلة ورقاد العناد { كَمْ أَهْلَكْنَا } أي : ك ثرة إهلاكنا واستئصالنا { مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ } أهل { ٱلْقُرُونِ } الماضية الهالكة ، المغرورين أمثالهم بالكبر والخيلاء بما عندهم من المال والجاه والثورة ، مع أن هؤلاء المعاندين { يَمْشُونَ } ويمرون { فِي مَسَاكِنِهِمْ } الخربة ، ودورهم المندرسة حين ارتحالهم نحو متجارهم وما يعتبرون منها { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي : في رؤية تلك المنازل والأطلال المغمورة ، والبلاد المقهورة { لآيَاتٍ } دلائل واضحات ، وشواهد لائحات على كمال قدرتنا واختيارنا ، وشدة انتقامنا وقهرنا { أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } [ السجدة : 26 ] مقتضيات الآيات ، ولا يتدبرون فيها حق التدبير والتفكر ؛ حتى يتخلصوا عن أودية الضلالات ، وأغوار الجهالات ، ويتصفوا بأنواع الهدايات والكرامات ؟ ! . { أَوَلَمْ يَرَوْاْ } ولم يبصروا أولئك المعاندون المنكرون على كمال قدرتنا ، ووفور حكمتنا واختيارنا { أَنَّا } من مقام جودنا ولطفنا كيف { نَسُوقُ ٱلْمَآءَ } بالتدابير العجيبة ، والحكم البديعة من تصعيد الأبخرة والأدخنة ، وتراكم السحب منها ، وتقاطر المطر من فتوقها وخلالها { إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ } التي قطع نباتها من غاية يبسها وجمودها { فَنُخْرِجُ بِهِ } أي : الماء الذي سقنا { زَرْعاً } أي : أنواعاً من الأقوات { تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ } أوراقه وتبنه { وَأَنفُسُهُمْ } حبوبه وثمرته { أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } [ السجدة : 27 ] أولئك المصرون المنكرون هذه القدرة العجيبة ، فيستدلون بها على قدرتنا الكاملة ، وحكمتنا البليغة البالغة بعدما سمعوا منك يا أكمل الرسل أن ربك يفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون ؟ ! . { وَيَقُولُونَ } مستهزئين معك ، متهكمين : { مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ } والفصل الذي وعدتم به ، أخبرونا وقته { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ السجدة : 28 ] في دعواكم ؛ حتى نتهيأ ونتزود ، ونؤمن به كماآمنتم ؟ . { قُلْ } يا أكمل الرسل في جوابهم : { يَوْمَ ٱلْفَتْحِ } هو يوم القيامة المعدة ؛ لتنقيد الأعمال والحساب ، فومئذٍ { لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } في النشأة الأولى مدة أعمارهم { إِيَمَانُهُمْ } فيها { وَلاَ هُمْ } حينئذٍ { يُنظَرُونَ } [ السجدة : 29 ] ويمهلون ؛ حتى يتداركوا ما فوَّتوا على نفوسهم طول عمرهم من الإيمان بالله ، والامتثال بأوارمه ونواهيه ، وتصديق الرسل والكتب ، وجميع معالم الدين وشعائر الإسلام . وبعدما تمادوا في الغفلة الضلال ، وبالغوا في العتو والعناد { فَأَعْرِضْ } يا أكمل الرسل { عَنْهُمْ } ولا تلتفت إلى هذياناتهم ، واصرف عنان عزمك عن هدايتهم وإرشادهم بعدما تاهوا في تيه الغي والضلال ، وأصروا عليها { وَٱنتَظِرْ } النصر والظفر ، والغلبة عليهم { إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } [ السجدة : 30 ] أيضاً ؛ ليغلبوا عليك ويظفروا . ربنا أفرغ علينا صبراً ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين . خاتمة السورة عليكم أيها السالك القاصد سلوك سبيل التوحيد ، والناسك المجاهد مع أعدى عدوك الذي بين جنبيك ، أعانك الله ونصرك على عدوك أن تتصبر وعلى متاعب العبودية ، ومشاق التكاليف الواقعة في إتيان المأمورات الشرعية ، وترك المألوفات الطبيعية ، سيما فيما أُشكل أمره عليك ، ودفعه عندك من انقهار أمّارتك وانزجارها ، وانتقامك عنها مفوضاً أمورك كلها إلى ربك منتظراً إلى أن يغلبك الحق عليها بعدما وعدك به بأن يجعل سبحانه سلطانة أمّارتك مأمورة لك ، مطمئنة بحكمك ، راضية بجميع ما جرى عليها من سلطان القضاء بلا امتناع وإباء . فلك حينئذٍ أن تتمكن في مقام الرضا والتسليم ؛ حتى تصير مطمئنتك فانية مضمحلة ، متلاشية بحيث لا يبقى فيها من هوية ناسوتها شيء ، بل فنيت هويتها في هوية الحق مطلقاً ، فحينئذٍ فزت بدوام أبدي ، وبقاء سرمدي بلا عروض انقضاء وانصرام ، وبلا لحوق انتهاء وانخرام . هب لنا من فضلك جذبةً من هوية ناسوتنا ، وتفنينا في هوية لاهوتك يا أرحم الراحمين .