Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 2, Ayat: 6-7)
Tafsir: Tafsīr al-Manār
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قال الأستاذ : كان الذي تقدّم بياناً من الله تعالى لصنفين من الناس لهم في القرآن هداية ، ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث : الأوّل : من الصنفين : أولئك الذين يبلغهم لأوّل مرّة ، وهم ممّن يخشى الله ويهاب سلطانه ، وفي أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحسّ على ما تقدّم . والثاني : أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله [ وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متّقين مؤمنين بالغيب ، ثمّ آمنوا بالنبيّ وبما جاء به ، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم ولم تبلغه الدعوة ، وهو على تلك الأوصاف ، ومن ولد من آباء مؤمنين ثمّ صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله ] . أمّا هاتان الآيتان فقد بيّنتا حال طائفة ثالثة من الناس ، وهم الكافرون ، ثم يبيّن قوله تعالى : { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } [ البقرة : 8 ] إلخ ، حال طائفة أخرى أخصّ منها ، وهم المنافقون ، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنّهم مؤمنون ، ولكنّهم في حقيقة أمرهم كافرون ، بل شرّ من الكافرين [ فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه ، ودعوا إلى الإيمان به والأخذ بهديه ] . بيّن الله تعالى لنبيّه أنّه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن ، فليس هذا عيباً وتقصيراً في هداية الكتاب ، وإنّما العيب فيهم لا في الكتاب ؛ لأنّه هداية كسائر الهدايات الطبيعيّة التي أعرض الناس وعموا عنها [ كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها ، ممّا أكرم الله به هذا النوع البشريّ ، وقد يحكم الرجل بأنّ في العمل مضرّة تلحق به ، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازاً للذّة زيّنها له حسّه أو وهمه ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبّته . فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعدّ عيباً في تلك الموهبة الإلهية ، ولا يحطّ من شأن النعمة فيها . أنظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشي في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطّم عظامه ، هل ينقص ذلك من قدر بصره ، ويبخس من حقّ الله في الإحسان به ، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له ] ففي الكلام تسلية لأهل الحقّ ، وسيّدهم هو النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فهو تسلية له أوّلاً وبالأولى . قوله تعالى : { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ البقرة : 6 ] أقول : هذا بيان لحال القسم الثاني من أقسام الناس تجاه هداية القرآن ، وقد قطعه وفصله ممّا قبله ، فلم يعطفه عليه ؛ للإشارة إلى ما بينهما من طول شقّة الانفصال وعدم المشاركة في شيء ما ، بخلاف القسم الثالث الآتي ، فإنّ لهم حظّاً منه في الدنيا ، ولمن يتوب منهم حظّ في الآخرة أيضاً . والكفر في اللغة : ستر الشيء وتغطيته وإخفاؤه ، ولذلك وصف به الليل والبحر والزراع في قوله تعالى : { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } [ الحديد : 20 ] لأنّهم يغطّون الحبّ بالتراب . وفعله من باب نصر ، وقال الفارابيّ وتبعه الجوهريّ : من باب ضرب ، وهو خطأ كما في المصباح . ومن المجاز : كفر النعمة بعدم شكرها وذكرها تنويهاً بها . وكذا الكفر بالله أو بوحدانيته وصفاته ، أو كتبه ورسله وما جاءوا به عن الله تعالى ، أي إنكاره وعدم التصديق به والإذعان له ولا سيّما الشرك في عبادته . كلّ ذلك من ضروب الستر والتغطية السلبيّة في الأمور المعنويّة ، فهو مجاز لغة ، وحقيقة شرعيّة في معناه الشرعيّ المشار إليه آنفاً . والمراد بالذين كفروا هنا من علم الله تعالى أنّ الكفر رسخ في قلوبهم حتّى فقدوا الاستعداد للإيمان . وقال شيخنا : الكفر هنا : عبارة عن جحود ما صرّح الكتاب المنزل أنّه من عند الله ، أو جحود الكتاب نفسه ، أو النبيّ الذي جاء به ، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة [ بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبيّ صلى الله عليه وسلم بلاغاً صحيحاً ، وعرضت عليه الأدلّة على صحّتها لينظر فيها فأعرض عن شيء من ذلك وجحده عناداً أو تساهلا أو استهزاءاً - نعني بذلك أنّه لم يستمرّ في النظر حتّى يؤمن ] ولم نسمع أنّ أحداً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كفّر أحداً بما وراء هذا ، فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين ، ولم يصل العلم بأنّه منه إلى حدّ الضرورة - أي لم يكن سنده قطعيّاً كسند الكتاب - فلا يعدّ منكره كافراً ، إذا قصد بالإنكار تكذيب النبيّ صلى الله عليه وسلم فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفَّر [ وإن ضعفت شبهته في الإستناد إليه ما دام صادق النيّة فيما يعتقد ، ولم يستهنْ بشيء ممّا ثبت بالقطع وروده عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ] . وقد تجرّأ بعض المتأخّرين على تكفير مَنْ يتأوّل بعض الظنّيّات ، أو يخالف شيئاً ممّا سبق الاجتهاد فيه ، أو ينكر بعض المسائل الخلافيّة ، فجّرأوا الناس على هذا الأمر العظيم ، حتّى صاروا يكفّرون من يخالفهم في بعض العادات ، وإن كانت من البدع المحظورات [ ثمّ هم على عقائد الكافرين ، وأخلاق المنافقين ، ويعملون أعمال المشركين ، ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين ] . الكافرون أقسام : منهم : مَنْ يعرف الحقّ وينكره عناداً ، وهؤلاء هم الأقلّون ولا ثبات لهم ولا قوام ، وكان منهم في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم جماعة من المشركين واليهود ولم يلبثوا أن انقرضوا . قال الأستاذ : كنت قلت في هذا المعنى كلمةً جديرةً بأن تحفظ وهي : " إنّ جحود الحقّ مع العلم به كاليقين في العلم كلاهما قليل في الناس " . ومنهم : من لا يعرف الحقّ ولا يريد ولا يحبّ أن يعرفه ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم : { إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } [ الأنفال : 22 - 23 ] فهؤلاء كلّما صاح بهم صائح الحقّ فزعوا ونفروا ، وأعرضوا واستكبروا ، ففي أنفسهم شعور بالحقّ ، ولكنّهم يجدون فيها زلزلةً ، كلّما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم ، وسبب ذلك : إنّهم لم يستعملوا أنظارهم في فهم الحقّ ، ويخافون لو استعملوها أن ينقصهم شيء ممّا يظنّونه خيراً ، ويتوهّمونه معقوداً بعقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم وساداتهم . ومنهم : مَنْ مرضت نفسه واعتلّ وجدانه ، فلا يذوق للحقّ لذّة ، ولا تجد نفسه فيه رغبةً ، بل انصرف عنه إلى هموم أخر ، ملكت قلبه وأسرت فؤاده ، كالهموم التي غلبت أغلب الناس اليوم على دينهم وعقولهم ، وهي ما استغرقت كلّ ما توفّر لديهم من عقل وإدراك ، واستنفدت كلّ ما يملكون من حول وقوّة ، في سبيل كسب مال ، أو توفير لذّة جسمانيّة ، أو قضاء شهوة وهميّة ، فعمي عليهم كلّ سبيل سوى سبل ما استهلكوا فيه ، فإذا عرض عليهم حقّ أو ناداهم إليه مناد ، رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعي ، ولا يميّزون بين ما يدعو إليه ، وبين ما هم عليه ، فيكون حظّ الحقّ منهم الإستهزاء والإستهانة بأمره ، فإذا وعدهم أو أوعدهم النذير ، قالوا لا نصدّق ولا نكذب ، حتى ننتهي إلى ذلك المصير . وهذا القسم كالذي قبله كثير العدد في الناس في كلّ زمان ومكان ، خصوصاً في الأمم التي يفشو فيها الجهل ، وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة ، وتنضب من أنفسهم ينابيع الفضائل ، فيصبحون كالبهائم السائمة ، لا همّ لهمّ إلاّ فيما يملأ بطونهم ، أو يداعب أوهامهم ، ويصحّ جمع هذين القسمين تحت قسم واحد وهو : قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين ، والقسم الأوّل هو : قسم المعاندين المكابرين . فكلّ من هذه الفرق { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 6 ] الإنذار : الإخبار والإعلام بالشيء المقترن بالتخويف ممّا يترتّب عليه من فعل يتضمّن ذمّه وطلب تركه ، أو ترك لأمر يتضمّن مدحه وطلب فعله ، نصّاً أو اقتضاء . والسواء : اسم مصدر بمعنى الإستواء . والمعنى : إنّ الذين كفروا ولم يدخلوا في قسم المستعدّين للإيمان لرسوخهم في الكفر ، يستوي الإنذار وعدمه بالنسبة إليهم في الواقع . فالذي يعرض عن النور مع العلم به ويغمض عينيه كيلا يراه ، بغضاً له لذاته أو تأذّياً به ، أو عناداً وعداوةً لمَنْ دعاه إليه ؛ ماذا يفيده النور ، وماذا يعيب النور من إعراضه ؟ والذي لا يعرف النور ولا يحبّ أن يعرفه ، لأنّ فساد طبيعته وخبث تربيته أنآه عنه وأبعده ، وجعله يألف الظلمة كالخفّاش ، [ أو أفسد الجهل وجدانه فأصبح لا يميّز بين نور وظلمة ، ولا بين نافع وضارّ ، ولا بين لذيذ ومؤلم ، ماذا عساه يفيده النور مهما سطع ، أو يؤثّر فيه الضوء مهما ارتفع ؟ ] . { لاَ يُؤْمِنُونَ } أقول : هذه جملة مفسّرة لتساوي الإنذار وعدمه في حقّهم ، لا في حقّه صلى الله عليه وسلم وحقّ دعاة دينه ، فهم يدعون كلّ كافر إلى دين الله الحقّ ؛ لأنّهم لا يميّزون بين المستعدّ للإيمان وغير المستعدّ له - إذا هو أمر لا يعلمه إلاّ الله تعالى . ثمّ وصف سبحانه فقدهم لهذا الاستعداد ، ورسوخهم في الكفر الذي لم يبقَ معه محلّ لغيره بهذا التعبير البليغ : { خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ } [ البقرة : 7 ] قال الراغب : الختم والطبع يقال على وجهين : مصدر ختمت وطبعت ، وهو تأثير الشيء كنقش الخاتم والطابع . والثاني : الأثر الحاصل عن النقش ، ويتجوّز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء والمنع منه اعتباراً بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب نحو { خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ } { وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } [ الجاثية : 23 ] - إلى أن قال - فقوله : { ختم الله على قلوبهم } … إشارةً إلى ما أجرى الله به العادة أنّ الإنسان إذا تناهى في إعتقاد باطل وإرتكاب محظور - ولا يكون منه تلفّت بوجه إلى الحقّ - يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصي ، وكأنّما يختم بذلك على قلبه . وعلى ذلك { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } [ النحل : 108 ] . اهـ المراد منه . وأقول : إنّ مراده أنّ هذا التعبير مثَلٌ لمن تمكّن الكفر في قلوبهم حتّى فقدوا الدواعي والأسباب التي تعطفهم إلى النظر والفكر في أدلّة الإيمان ومحاسنه . ختم الله على قلوبهم فلا يدخلها غير ما رسخ فيها ، وعلى أسماعهم فلا يسمعون آيات الله المنزلة ، سماع تأمّل وتفقّه ، وقوله : { وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ } جملة معطوفة على جملة ( ختم ) ، والغشاوة : ما يغطّى به الشيء ، ومعنى هذه المادّة : غ ش ى - التغطية . والمراد : إنّ أبصارهم لا تدرك آيات الله المبصِّرة الدالّة على الإيمان . فكلّ من الفريقين لا يُرجى إيمانه . وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلى الله تعالى ؛ لأنّه بيان لسنّته تعالى في أمثالهم . وعبّر عنه بالماضي ؛ للدلالة على أنّه أمر قد فرغ منه ، وهو لا يدلّ على أنّهم مجبورون على الكفر ، ولا على منع الله تعالى إيّاهم منه بالقهر ، وإنّما هو تمثيل لسنّته تعالى في تأثير تمرّنهم على الكفر ، وأعماله في قلوبهم بأنّه استحوذ عليها وملك أمرها حتّى لم يعدْ فيها استعداد لغيره ، كما تقدّم مثله عن الراغب . ويوضّح ما قلناه : قوله تعالى في سورة المنافقين : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } [ المنافقون : 3 ] وقوله في اليهود في سورة النساء : { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 155 ] فذكر أنّ الطبع على قلوبهم ، إنّما هو بسبب كفرهم وتلك المعاصي التي أسندها إليهم ، وقوله تعالى في سورة الجاثية : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } [ الجاثية : 23 ] فقد ذكر من فعله المسند إليه أنّه اتّخذ إلهه هواه ، ومن صار هواه معبوده لا يفيد معه شيء ، وقد صرّح هنا بأنّ الغشاوة على بصره من جعل الله تعالى ، ولم يصرِّح بذلك في آية البقرة التي نفسّرها ، والمعنى واحد . ولشيخنا الأستاذ الإمام دقائق في هذه التعبيرات ادّخرها الله تعالى له وهي مع هذا تغنيك عن تماري الأشعريّة والمعتزلة في الآيات تعصّباً لمذاهبهم . قال : يقولون : إنّ الختم والطبع والرين . ألفاظ تجري على شيء واحد ، وهو : تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسّه ، والقلوب مراد بها العقول ، والمراد بالسمع الأسماع ، وإفراده ؛ لأنّ أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع ، وقد لوحظ هنا الأصل ، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان . قال : وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والإفراد رأياً آخر ، إذ لو صحّ ما قيل فإنّ البصر أيضاً مصدر فلماذا جمعه ؟ والذي أراه أنّ العقل له وجوهٌ كثيرة في إدراك المعقولات ، فليس الناس فيه سواء ؛ فجمع لاختلاف الناس فيه ، وأنواع تصرّفهم في وجوهه ، بخلاف السمع فإنّ أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات فلا تتشعّب تشعّب العقول في إدراك المعقولات . وأمّا الأبصار فهي مثل العقول في التشعّب ، وأعظم معين للعقول في إدراكها ، لأنّ أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة ، والسمع لا يدرك إلاّ الصوت ، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقينيّ إلاّ التواتر [ بخلاف ما نقطع فيه بالضرورة من طريق العقل والبصر ، فهو كثير ، فالأوليات كالحكم بأنّ الجزء أصغر من الكلّ ، وأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، والقضايا التي قياساتها معها : من المعقولات المحضة . والتجربيّات والحدسيّات يشترك فيها العقل والبصر ، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر . فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كلٍّ منها عيون للعلم مختلفة ، بخلاف السمع فإنّه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه ] فالحاصل أنّ العقول والأبصار تتصرّف في مدركات كثيرة فكأنّها صارت بذلك كثيرة فجمعت ، وأمّا السمع فلا يدرك إلاّ شيئاً واحداً فأفرد . سأله سائل : كيف هذا ، وقد قالوا : إنّ السمع أفضل من البصر ؟ فقال : أنا لا أتكلّم في التفضيل ، ذلك إلى الله ورسوله ، وإنّما أشرح موجوداً وأبيّن مناسبة اللفظ له ، وإنّ المشاهدة قاضية بأنّ العقل لا منتهى لتصرفه ، وبأنّ أقلّ ما قيل في البصر : إنّه يدرك الألوان ، والأشكال ، والمقادير ؛ والسمع لا يدرك إلاّ الأصوات فقط ، كما أنّ الذوق لا يحسّ إلاّ بالمذوقات وحدها ، وإن كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمّن حكايةً عن معقول أو مبصر ، ولكنّ وروده على الحكاية لا يغيّر من حقيقته ، فهو معقول أو مبصر . فمَنْ ذكر لك برهاناً على حقيقة علميّة فإنّما تسمع منه الأصوات والحروف . وأمّا فهمك المقدّمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك ؛ فإن كان حديث الأفضليّة يستند إلى أنّ جميع المدركات قد يمكن أن يعبّر عنها بالكلام - وهو مسموع - فقد بيّنا لك ما فيه ، ويعارضه أنّ جميع ضروب الكلام يصحّ أن تكتب ، وطريق فهمها من الرُقَم إنّما هو البصر ، والحق : إنّ المعوّل عليه في تعدد الطريق ليس ما يكون من قبيل الحكاية ، بل ما يكون من طبيعة القوّة . وأمّا انطباق الكلام على تلك الأقسام السابقة وبيان حرمانهم وكونهم كما وصفوا - فهو بالنسبة إلى الطائفة التي عاندت الحقّ وهي تعرفه - ظاهر ؛ لأنّهم لما عاندوا الحقّ لأنّه لم يأتِ على أيديهم [ فقد طُبع على قلوبهم بطابع ذلك العناد نفسه ، فإنّه قد حيل بين عقولهم وإدراك ما يصيرون إليه بالإصرار على الباطل من ضعف أمر وفساد حال في الدنيا ، وشقاء وخلود في نكال الآخرة ، ثمّ هم قد حجبوا به عن إدراك ما يتبع ] ذلك الحقّ من المعارف والحقائق الأخرى ؛ فقد ختم على قلوبهم بالنسبة إلى ما حجبوا عنه . وأمّا الختم على سمعهم ؛ فلأنّهم صُمّوا عن سماع الحقّ واستماع القول لفهمه ، فمن أعرض عن فهم الحقّ فهو لم يسمع إلاّ صوتاً لم ينفذ شيء من معناه إلى موضع الإدراك الحقيقيّ منه ، فقد ختم على سمعه فلا ينفذ إليه شيء ينتفع به . وأمّا الأبصار فإنّما كانت عليها غشاواتٌ عند هؤلاء الجاحدين ؛ لأنّ فائدة البصر ، هي التوقّي من الخطر ، والعبرة بما يبصر ، فمن لم ينظر في الآيات الكونيّة التي تقع تحت بصره كلّ يوم كأنّه لم يبصر شيئاً منها ، فقد ضرب على بصره بغشاوة . [ وأمّا بالنسبة إلى القسمين الآخرين اللذين جمعا تحت قسم واحد وهو : قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين - كما سبق - فالختم على القلوب والسمع والأبصار ظاهر ؛ لأنّهم لم ينتفعوا بشيء من هذه القوى حتّى في فهم ما يعرض عليهم ، ورؤية ما يقع تحت حواسّهم ] والكلام كلّه ضرب من التمثيل يعرفه اللسان وتعهده اللغة . والمعنى هو ما بيّنّا والله أعلم . [ ولما كان حديث الختم تمثيلا لفقد حقيقة الفهم والحرمان من فوائد تلك المواهب الإلهية ؛ مواهب العقل والسمع والأبصار - كان إسناده إلى الله تأكيداً لمعنى الحرمان ، وتقديراً لمصيبة الخسران ؛ لأنّ ما ختم بيد الله لا تفضّه يد سواه ] . وأمّا النكتة في استعمال الختم مع القلب والسمع ، والغشاوة مع البصر : فهي أنّ الختم من شأنه أن يكون على المكنون المستور . وهكذا موضع حسّ السمع ، وموضع الإدراك من العقل ، والأسماع في ظاهر الخلقة ، وأمّا البصر فالحاسّة منه ظاهرة منكشفة ، قال : ومثل هذه الدقائق هي المرادة بقول صاحب التلخيص : " ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام " . { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } أقول : العذاب : اسم لما يؤلم ويذهب بعذوبة الحياة من ضرب ووجع وجوع وظمأ . قال الراغب : واختلف في أصله ، فقال بعضهم : هو من قولهم : عذب الرجل ، إذا ترك المأكل ( زاد غيره من شدّة العطش ) والنوم فهو عاذب وعذوب ، فالتعذيب في الأصل : هو حمل الإنسان أن يعذب ، أي بجوع وبسهر . وقيل : أصله من العذب ، فعذّبته : أزلتُ عذب حياته . على بناء : مرّضته وقذّيته . وقيل : أصل التعذيب إكثار الضرب بعذبة السوط أي طرفه اهـ . وقال البيضاويّ العذاب كالنكال بناءً ومعنىً ، تقول : أعذب عن الشيء ونكل عنه - إذا أمسك ، ومنه الماء العذب لأنّه يقمع العطش ويردعه ، ولذلك يسمّى نقاخاً وفراتاً ، ثمّ اتّسع فأطلق على كلّ ألم فادح ، وإن لم يكن عقاباً يردع الجاني عن المعاودة ، إلخ . والعظيم ضدّ الحقير فهو فوق الكبير الذي هو ضدّ الصغير . وتنكير العذاب - هنا - للإشارة إلى أنّه نوع منه مبهم مجهول عند أهل الدنيا ، بناءً على أنّ المراد به عذاب الآخرة التي هي من عالم الغيب . وقال شيخنا تبعاً للجمهور : التنكير فيه للتعظيم والتهويل ، ووصفه مع ذلك بعظيم يدلّ على أنّه بالغ حدّ العظمة كمّاً وكيفاً ، فهو شديد الإيلام ، وطويل الزمان . وهل هذا العذاب في الدنيا أم في الآخرة ؟ قال في آية أخرى { لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ المائدة : 41 ] فيؤخذ من هذه الآية ومن آيات أُخرى أنّ الإعراض عن هدي الإسلام ، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد ، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزّة والسلطة في الدنيا ، والعذاب العظيم في العقبى . وهنا سأله سائل : هل الآية نصٌّ في التكليف بالمحال ؟ فقال : لا ، وأنا لا أحبّ أن أحشر المسائل الخلافيّة في تفسير القرآن ، بل أحبّ أن أبيّن المعنى الذي كان يفهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالمحال . على أنّ الإتّفاق واقع بين الأئمّة ، بل بين الأمّة على أنّ التكليف بالمحال غير واقع ، وأنّ الله { لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] كما صرّح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبويّة ، فما بقي من مواضع الخلاف لا يمسّ نصوص الكتاب العزيز الذي { لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42 ] .