Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 2, Ayat: 8-10)

Tafsir: Tafsīr al-Manār

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قدّمنا أنّ الكلام من أوّل السورة في القرآن وأقسام الناس بإزائه ، وذكرنا منهم ثلاث فرق - فرقتان لهما فيه هدىً : إحداهما : المتقون وبيّن حالهم بقوله { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } [ البقرة : 3 ] إلخ ، ومنهم الذين كانوا يدعون الحنيفيّين ، والمنصفون من أهل الكتاب الذين كانوا ينتظرون إشراق نور الحقّ ليهتدوا به كما تقدّم . والثانية : هي المذكورة في قوله تعالى : { وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ } [ البقرة : 4 ] إلخ وهم كلّ مَنْ آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وغيرهم على التحقيق . وبيّنّا أنّه يوجد بإزاء هاتين الطائفتين ، طائفتان أخريان لا ترجى هدايتهما بالقرآن . الأولى منهما هي المشروح حالها في قوله تعالى : { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 6 ] إلخ . وهي كما قدّمنا تنقسم إلى قسمين : جاحدين لا يسمعون ، ومعاندين يعرفون الحقّ ولا يذعنون . وهذه الآيات - التي نحن بصدد تفسيرها الآن - هي المبيّنة لحال الفرقة الرابعة ، وهي فرقة من الناس توجد في كلّ آن وفي كلّ عصر . وليست الآيات كما قيل في أولئك النفر من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل ، ولذلك قال تعالى في بيان حالهم : { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } [ البقرة : 8 ] ولم يقل عنهم : إنّهم يقولون مع ذلك " وآمنّا بك يا محمد " وما كان القرآن ليعتني بأولئك النفر الذين لم يلبثوا أن انقرضوا كلّ هذه العناية ، ويطيل في بيان حالهم أكثر ممّا أطال في الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس . نعم ، إنّ الآيات على عمومها تتناول مَنْ كان منهم في عصر التنزيل تناولا أوّليّاً ، وتصف حالهم وصفاً مطابقاً ، وهي مع ذلك عبرة عامة شاملة لمن مضى ولمن يجيء من هذا الصنف إلى يوم القيامة ، وقد كان ويكون من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ومن كلّ طائفة تدّعي أنّها على دين ، ولم يحكَ عنهم دعوى الإيمان بالأنبياء والأعمال الصالحة - مع إنّ منهم الذين يدّعون ذلك - لأنّ الإيمان باليوم الآخر يتضمّن ذلك ، فهو إنّما يعرف من قبل الأنبياء ، وهذا من ضروب إيجاز القرآن التي بلغت حدّ الإعجاز . قد يقال : كان في أولئك القوم من كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، كمنافقي اليهود ، فلم كذّبهم ونفي عنهم الإيمان نفياً مطلقاً مؤكداً بدخول الباء في خبر " ما " فقال : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } أي بداخلين في جماعة المؤمنين الصادقين البتّة . وهو أبلغ من نفي فعل الإيمان المطابق - للفظهم ، والمقيَّد بالإيمان بالله وباليوم الآخر ؟ والجواب : إنّ اعتقادهم التقليديّ الضعيف لم يكن له أثر في أخلاقهم ولا في أعمالهم ، فلو حصِّل ما في صدورهم ، ومحِّص ما في قلوبهم ، وعرفت مناشئ الأعمال من نفوسهم ، لوُجِد أنّ ما كان لهم من عمل صالح كصلاة وصدقة فإنّما مبعثه رئاء الناس ، وحبّ السمعة ، وهم من وراء ذلك منغمسون في الشرور ، كالإفساد والكذب والغشّ والخيانة والطمع وغير ذلك من الرذائل التي حكاها عنهم الكتاب ونقلها رواة السنّة ، وهذه الأعمال تدلّ على أنّهم لا يؤمنون بالله كما يُحبّ ويرضى أن يؤمن به ، وهو أن يشعر المؤمن بعظيم سلطانه ، ويعلم أنّ الله سبحانه مطّلع على سرّه وإعلانه ؛ لأنّه مهيمن على السرائر ، وعالم بما في الضمائر ، فيرضيه بظاهره وباطنه . بل كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات يظنون أنّهم يرضون الله تعالى بذلك . ولذلك قال فيهم : { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا } أقول : الخدع : أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه له لتنزله عمّا هو بصدده ، من قولهم : خدع الضبّ ، إذا توارى في جحره . وضبٌّ خادع ، إذا أوهم الصائد إقباله عليه ثمّ خرج من باب آخر ، وأصله الإخفاء . هذا ما حرّره البيضاويّ ، وقد جعله الراغب أعمّ ، فلم يعتبر فيما يخفيه الخادع أن يكون مكروهاً ، وهذا المعنى لا يمتنع إسناده إلى الله تعالى وإلى المؤمنين ، وهو ما تدلّ عليه صيغة المشاركة " يخادعون " وقالوا : إنّه محال على الله وغير لائق بالمؤمنين ، بل يستقبح لأنّه عمل المنافقين . وقد جاء في سورة النساء { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء : 142 ] ولمّا كان إخفاء شيء عن الله تعالى محالا ؛ فسّروا مخادعتهم لله هنا وهناك بأنّه خداع في الصورة لا في الحقيقة ؛ وذلك أنّه شرّع أن يعاملوا معاملة المؤمنين ولكنّهم لا يُجزون جزاءهم في الآخرة ، بل يكونون في الدرك الأسفل من النار ، فمعاملتهم الظاهرة غير جزائهم المغيّب عنهم في الآخرة ، كما أنّ عملهم الظاهر غير كفرهم الخفيّ في أنفسهم ، فالجزاء من جنس العمل ، ولكنّ عملهم خداع - ومقابله حقّ صورته صورة الخداع ، ولكنّه لا غشّ فيه لأنّ النصوص صريحةٌ في كفر المنافقين . والتحقيق : إنّ فعل المشاركة هنا خاصّ بالفاعل المسند إليه فعله : وهم المنافقون ، وصيغة " فاعل " لا تطّرد فيها المشاركة بالفعل ، كعاقبت اللصّ ، وقد تكون مقدّرة أو باعتبار الشأن أو القصد ، ومن التكلّف قول بعضهم : إنّه عبّر عن مخادعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم بمخادعة الله تعالى . وقال شيخنا : العمل الظاهر الذي لا يصدّقه الباطن إذا قصد به إرضاء آخر ، يسمّى في اللغة : مداجاة ومداراة ومخادعة ، فإن كان يقصد به المخادعة فظاهر ، وإلاّ فيكفي لصحّة الإطلاق أنّ العمل عمل المخادع ، لا عمل الطائع الخاضع ، وهذا مراد القرآن من مخادعة هؤلاء الذين هم من أهل الكتاب ، المؤمنين بالله إيماناً ناقصاً ، لم يقدّروا الله فيه حقّ قدره ، ويستحيل أن يقصد المؤمن بالله تعالى مخادعته ، ولكنّهم لجهلهم بالله ظنّوا به ما سوّغ وصفهم بما ذكر عنهم . قال تعالى : { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم } أقول : وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { وما يُخادعون إلاّ أنفسهم } وهو دليل على ما قلنا آنفا في صيغة " فاعل " والمشاركة هنا للإشارة إلى أنّهم هم الخادعون المخدوعون ، وقراءة الجمهور { يخدعون } نصّ في أنّ مخادعتهم لله وللمؤمنين لا تأثير لها فيهما ، فهي بالنسبة إليهما صورية ، وفي الحقيقة أنّ القوم يخدعون أنفسهم ؛ لأنّ ضرر عملهم خاصّ بهم ، وعاقبته وبالٌ عليهم وحدهم . وقال الأستاذ في الدرس فيها ما مثاله : إذا رجع الإنسان إلى نفسه ، وأصغى لمناجاة سرّه ، يجد عندما يهمّ بعمل شيء أنّ في قلبه طريقين ، وفي نفسه خصمين مختصمين ، أحدهما يأمره بالعمل وسلوك الطريق الأعوج ، وآخر ينهاه عن العوج ، ويأمره بالإستقامة على المنهج ، ولا يترجّح عنده باعث الشرّ ، ولا يجيب داعي السوء ، إلاّ إذا خدع نفسه بعد المشاورة والمذاكرة المطويّة فيها ، وصرفها عن الحقّ ، وزيّن لها الباطل ، وهذه الشؤون النفسيّة في غاية الخفاء ، تكون المنازعة ، ثمّ المخادعة ، ثمّ الترجيح ، ويمرّ ذلك كلّه كلمح البصر ، وربّما لا يلتفت إليه الإنسان بفكره . ولذلك قال : { وَمَا يَشْعُرُونَ } فإنّ الشعور هو إدراك ما خفي . أقول : قال الراغب بعد ذكر الشعر - بفتح الشين وسكون العين وفتحها - من مفرداته وشعرت أصبت الشّعر ، ومنه استعير شعرت كذا ، أي علمت علماً هو في الدقّة كإصابة الشعر ، ومنه يسمّى الشاعر شاعراً ؛ لفطنته ودقّة معرفته ، فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم : ليت شعري . وصار في التعارف اسماً للموزون المقفّى من الكلام . اهـ . أقول : ويناسب هذا ، الشِعار - بالكسر - للكساء الباطن الذي يمس شعر الإنسان ، والمعروف في كتب اللغة أنّ شعر به - كنصر وكرم - يشعر شعراً - بالكسر والفتح - وشعورا معناه علم به وفطن له وأدركه . والفطنة تتعلّق بالأمور الدقيقة . وأطلق بعض المفسّرين : أنّ الشعور إدراك المشاعر ، أي الحواسّ الخمس ، والتحقيق : إنّه إدراك ما دقّ من حسّيٍّ وعقليٍّ ، فلا تقول : شعرت بحلاوة العسل ، وبصوت الصاعقة ، وبألم كيّة النار ، وإنّما تقول : أشعر بحرارة ما في بدني ، وبملوحة أو مرارة في هذا الماء ، إذا كانت قليلة - وبهينمة وراء الجدار ، وما ورد في القرآن من هذا الحرف يدلّ على هذا المعنى ، أي إدراك ما فيه دقّة وخفاء . فمعنى نفي الشعور عن المنافقين في مخادعتهم لله تعالى : إنّهم يجرون في كذبهم وتلبيسهم وريائهم على ما ألفوا وتعوّدوا ، فلا يحاسبون أنفسهم عليه ، ولا يراقبون الله فيه ، وما كلّهم يؤمنون بوجود الله وإحاطة علمه ، ومن يؤمن بوجوده ، لم يتربّ على خشيته ومراقبته ، ولا يفكّر فيما يرضيه وفيما يغضبه ، فهو يعمل عمل المخادع له وما يشعر بذلك . وأمّا مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة ؛ لأنّهم اتّخذوهم أعداء وهم عاجزون عن إظهار عداوتهم ، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين : كلّها خداع ورياء ، وقد فصّل شيخنا سرّ مخادعتهم وفلسفتها ببيان علميّ جليّ ، فقال ما معناه : هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم ، قام لهم من أنفسهم ما يسهّل لهم أمره من أمل في الغفران ، أو تأويل إلى غير المراد ، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب ؛ وذلك بما رسخ في نفوسهم من ملكات السوء ، المغشّاة بصور من العقائد الملوّنة بما قد يتجلّى للأعين فيما يسمّونه إيماناً - وما هم في الحقيقة بمؤمنين ، وإنّما هم خادعون مخدوعون ، ولكنّهم لما عمّي عليهم من أمر أنفسهم ، لا يشعرون ؛ لأنّ ذلك يمرّ في أنفسهم وهم عنه غافلون . وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عندما تسأل عنه ، وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات ، بصيرورته ملكةً في النفس متصرفة في الإرادة ، باعثة لها على العمل . فمن العلوم ما هو ثابت في النفس ممتزج بها [ على النحو الذي ذكرناه ، فيتبع امتزاجه هذا : تمكّن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال . وهي ما يعبّر عنه بالأخلاق والصفات كالكرم والشجاعة ونحوهما ، فإنّها إنّما تنطبع في النفس تبعاً للعلم الذي يلائمها ] وهو العلم الحقيقيّ الذي تصدر عنه الأعمال ، وربّما يغفل الإنسان عنه ولا يلاحظه عندما يعمل . وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره ، وبين وجوده وتحقّقه في نفسه . ومن العلوم ما يلاحظ الإنسان أنّه عنده ، فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ، ويغيب عنها عند عدمها ؛ لأنه لم يشربه القلب ، ولم يمتزج بالنفس فيصير صفةً من صفاتها الراسخة التي لا تزايلها [ وهذا النوع من العلم يتعلّق بما تعلق به النوع الأوّل ، كعلم الحلال والحرام الذي يحصّله طلبة الفقه الإسلامي - مثلا - وكعلم مزايا الفضيلة ، ورزايا الرذيلة الذي يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق والنظّار في كتب الأواخر والأوائل . لتغزير مادّة العلم وتوسيع مجال القول ، وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك ، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل ، يبقى في خزانة الخيال ، تستحضره النفس عندما تدفعها الشهوة إلى تزيين ظاهر المقال لا إلى تحسين باطن الحال ، ولن يكون لهذا الضرب من العلم أدنى أثر في عمل من أعمال صاحبه . وتسمِيَتُه علماً ؛ لأنّه يدخل في تعريفه العامّ " صورة من الشيء حاضرة عند النفس " وعند التدقيق لا ترتفع به منزلته إلى أن يندرج في معنى العلم الحقيقيّ ] فاستحضار هذا العلم ، كاستحضار الكتاب واللوح وإدراك ما فيه ، ثمّ الذهول عنه ونسيانه عند الإشتغال بشيء آخر . فهؤلاء - الذين يخدعون أنفسهم ويخادعون الله تعالى - عندهم علم حقيقيّ تنبعث عنه أعمالهم ، وإن كان باطلاً في نفسه ، وهو تصديقهم بما في شهواتهم من المصلحة لذواتهم ، وهو الذي رجّح عندهم اختيار ما فيه قضاؤها والانصباب إلى ما تدعو إليه ، وهو ما أنساهم ما كانوا خزنوا في أنفسهم من صور الإعتقادات الدينية ، فأبعدهم ذلك عن الإعتقاد الحقيقيّ الذي يعتدّ به ، وجعله رسماً مخزوناً في الخيال ، لا أثر له في الأفعال ، يدعونه بألسنتهم ، وتكذّبهم في دعواهم أعمالهم وأحوالهم ؛ ولذلك نسبهم إلى الدعوى القوليّة ، ولم يقل فيهم ما قال في ذلك الفريق الأوّل : { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ البقرة : 3 ] فإنّه هناك ذكر إيمانهم ، وقفّى عليه بذكر العمل الذي يشهد له . ومن هنا يعلم ما الإيمان الذي يعتدّ به القرآن ، وهو يظهر لمن يقرأ القرآن ليحاسب به نفسه ، ويزن إيمانه وأعماله بما حكم به على إيمان من قبله وأعمالهم ، لا لمن يقرؤه على أنّه قصّة تاريخيّة مات من يحكي عنها ، واستثنى القارئ نفسه ممّن حكم عليهم فيها . فإن كان مات من كانوا سبب النزول ، فالقرآن حيّ لا يموت ، ينطبق حكمه ، ويحكم سلطانه على الناس في كلّ زمان [ فكلّ مؤمن بالله واليوم الآخر - ومع ذلك - يصدر في عمله عن شهواته ، ولا يمنعه إيمانه عن ركوب خطيئاته ، فاعتقاده إنّما هو خيال ، لا يعلو عن لفظ في مقال ، ودعوىً عند جدال ، فإذا ركن إلى هذا المعتقد فهو خادع لنفسه ، مخادعٌ لربه يظنّ أنّ علاّم الغيوب ، لا ينظر إلى ما في القلوب ] . { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } عهد عند العرب التعبير عن العقول بالقلوب . والمرض : هو ما يطرأ على العقول فيضعف تعقّلها وإدراكها ، والشكّ والوهم من أعراض هذا المرض ، فهو ظلمة تعرض للعقل فتقف بشعاعه أن ينفذ إلى ما وراء التكاليف والأحكام من الأسرار والحكم . وهذا النفوذ هو الفقه في الدين الذي يسوق النفس إلى الأخذ به ظاهراً وباطناً . وقد عبّر القرآن عن فقد أمثال هؤلاء لهذا بقوله : { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } [ الأعراف : 179 ] وربّما كان التعبير عن العقول بالقلوب في مثل هذا المقام ؛ لأنّ القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذي هو السائق إلى الأعمال [ يظهر لك ذلك بما تجده من اضطراب قلبك عند إشتداد الخوف أو إشتداد الفرح ، فإنّك تحسّ بزيادة ضرباته وشدّة نبضاته ] فصورة الإعتقاد إذا تناولها العقل من طريق التقليد والتسليم ، فجعلها في زاوية من زوايا الدماغ ، لم يكن لها سلطان على القلب ولا تأثير في الوجدان ، واعتقاد لا يصحبه هذا السلطان ولا يصدر عنه هذا التأثير ، لا يعتدّ الله تعالى به ولا يستفيد الإنسان منه كما تقدّم آنفاً . فمن لم يطرق الإيمان قلبه بقوّة البرهان ولم يحلّ مذاقه منه في الوجدان ، بحيث يكون هو المصرِّف له في أعماله لا ينفعه إيمانه ، إلاّ إذا تمرّن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص ، حتّى يحدث لقلبه الوجدان الصالح . فأهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح ، وأهل التقليد تلحقهم أعمالهم الصالحة بأهل اليقين في الانتفاع بإيمانهم . وهذا الفريق الذي تحكي عنه الآيات ، وتصفه بالكذب والخداع ، قد فقد الأمرين معاً ، ولا صحّة للقلب إلاّ بهما ، فمن فقدهما مرض ولا يلبث مرضه أن يقتله . قال الأستاذ الإمام : ما معناه : ولضعف العقل أسباب منها : ما هو فطريّ كما هو حال أهل البله والعته ، وهو الذي لا يكلَّف صاحبه ولا يلام . ومنها : ما يكون من فساد التربية العقليّة ، كما هو حال المقلّدين الذين لا يستعملون عقولهم ، وإنّما يكتفون بما عليه قومهم من الأوهام والخيالات ، ويرين على قلوبهم ما يكسبونه من السّيئات ، وما يكونون عليه من التقاليد والعادات ، ولا يعتنون بما أمر الله به من تمزيق هذه الحجب ، وإزالة هذه السحب ؛ للوقوف على ما وراءها من مخدّرات العرفان ، ونجوم الفرقان ، وشموس الإيمان ، بل يكتفون بما حكى الله عنهم في قوله : { إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } [ الزخرف : 23 ] حتّى يجيء اليوم الذي يقولون فيه : { رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } [ الأحزاب : 67 ] . وأقول : إنّ المرض في أصل اللغة : خروج البدن عن إعتدال مزاجه وصحّة أعضائه فيختلّ به بعض وظائفها وأعمالها ، وتعرض الآلام لها . ويطلق مجازاً على اختلال مزاج النفس ، وما يخلّ بكمالها من نفاق وجهل ، وارتياب وشكٍّ ، وغير ذلك من فساد الإعتقاد الحقّ ، واضطراب حكم العقل وفساد الخلق ، والمرض هنا من النوع الثاني كما تقدّم آنفاً ، وخصّه شيخنا بمنافقي اليهود ، فقال ما معناه : كان في قلوبهم مرض قبل مجيء النذير ، وبيان الرشد من الغيّ ، عندما كانوا في فترة ، حظُّهم من الكتب قراءة ألفاظها ، ومن الأعمال إقامةُ صورها ، { فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً } بعدما جاءهم البرهان المنير ببعثة البشير النذير ، ووجدوا منه زعزعةً في أنفسهم ؛ ولكن أخذتهم العزّة بالإثم ؛ فأبوا الإيمان ، ونبوا عن القرآن ، [ وزاد تمسّكهم بما كانوا عليه واشتدّ حرصهم عليه ] فكان شعاع النور الذي جاء به الرسول عمىً في أعينهم ؛ ومرضاً على مرضهم { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي عذاب مؤلم فوق هذه الأمراض ؛ و " أليم " : صيغة فعيل من ألم يألم فهو أليم وصف به العذاب نفسه { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [ في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر ، فإنّهم لم يصدّقوا بأعمالهم ، ما يزعمونه من حالهم ] . أقول : وأمّا مرض منافقي المدينة من العرب ، فهو : الشكّ في نبوّته صلى الله عليه وسلم كما روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما وعن الأوّل : إنّه النفاق . وعن بعض تلاميذه : الرياء . وحسبك في زيادة مرضهم قوله تعالى : { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً } [ التوبة : 124 ] إلى قوله { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } [ التوبة : 125 ] . أقول : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يكذبون } بالتخفيف ، أي بسبب كذبهم ؛ وقرأ الباقون { يكذّبون } بالتشديد أي ولهم عذاب أليم بسبب تكذيبهم النبيّ صلى الله عليه وسلم والحكمة في القراءتين : إثبات جمعهم للرذيلتين ، أي الكذب في دعوى الإيمان ، وتكذيب النبيّ صلى الله عليه وسلم والسلام . والثانية : سبب الأولى . وهم إنّما كانوا يكذّبونه في أنفسهم ، وفيما بينهم إذا خلوا إلى شياطينهم والعذاب عقوبة عليهما معاً ، أي على التكذيب وهو الكفر ، وعلى الكذب في دعوى الإيمان وهو النفاق . وهؤلاء في باطنهم ، شرٌّ من الذين كفروا عناداً من رؤساء قريش ، فإنّهم لم يكونوا يكذّبونه صلى الله عليه وسلم وإنّما كانوا يجحدون جحود استكبار . قال تعالى : { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ] . قال شيخنا : والقراءة الأولى هي المشهورة ، والعذاب فيها مقرون بالكذب لا بالتكذيب . وقد يقال : لم جعل العذاب جزاء الكذب دون الكفر ؟ والجواب : إنّ الكفر داخل في هذا الكذب ، وإنّما اختير لفظ الكذب في التعبير ، للتحذير عنه ، وبيان فظاعته وعظم جرمه ، ولبيان أنّ الكفر من مشتملاته ، وينتهي إليه في غاياته ؛ ولذلك حذّر القرآن منه أشدّ التحذير ، وتوعّد عليه أسوأ الوعيد ، وما فشا الكذب في قوم ، إلاّ فشت فيهم كلّ جريمة وكبيرة ؛ لأنّه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياء والمروءة ، ومَنْ كان كذلك لا يترك قبيحاً إلاّ بالعجز عنه ، نعوذ بالله تعالى من عمله ومنه . اهـ بالمعنى . وقد علمت أنّ السؤال لا يرد إلاّ على قراءة التشديد .