Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 16, Ayat: 106-111)
Tafsir: Zād al-masīr fī ʿilm at-tafsīr
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله تعالى : { مَنْ كفر بالله من بعد إِيمانه } قال مقاتل : نزلت في عبد الله بن سعد بن أَبي سرح القرشي ، ومِقْيَس بن صُبابة ، وعبد الله بن أنس بن خَطَل ، وطعمة بن أُبيرِق ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وقيس بن الفاكه المخزومي . فأما قوله تعالى : { إِلاَّ من أُكره } فاختلفوا فيمن نزل على أربعة أقوال . أحدها : أنه نزل في عمار بن ياسر ، أخذه المشركون فعذَّبوه ، فأعطاهم ما أرادوا بلسانه ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال قتادة . والثاني : أنه لما نزل قوله : { إِن الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أنفسهم … } إِلى آخر الآيتين اللتين في سورة النساء [ 96 ، 97 ] كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إِلىَ من كان بمكة ، فخرج ناس ممن أقرَّ بالإِسلام ، فاتَّبعهم المشركون ، فأدركوهم ، فأكرهوهم حتى أعطوا الفتنة ، فنزل { إِلاَّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإِيمان } ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد . والثالث : أنه نزل في عياش بن أبي ربيعة ، كان قد هاجر فحلفت أُمُّه ألاَّ تستظل ولا تشبع من طعام حتى يرجع ، فرجع إِليها ، فأكرهه المشركون حتى أعطاهم بعض ما يريدون ، قاله ابن سيرين . والرابع : أنه نزل في جبر ، غلام ابن الحضرمي ، كان يهودياً فأسلم ، فضربه سيِّده حتى رجع إِلى اليهودية ، قاله مقاتل . وأما قوله : { ولكنْ مَن شرح بالكفر صدراً } فقال مقاتل : هم النفر المسَمَّوْن في أول الآية . فأما التفسير ، فاختلف النحاة في قوله : { من كفر } وقوله : { ولكن من شرح } فقال الكوفيون : جوابهما جمعياً في قوله : { فعليهم غضب } ، فقال البصريون : بل قوله : { من كفر } مرفوع بالرد على { الذين لا يؤمنون } . قال ابن الأنباري : ويجوز أن يكون خبرُ { مَن كفر } محذوفاً ، لوضوح معناه ، تقديره : من كفر بالله ، فالله عليه غضبان . قوله تعالى : { وقلبه مطمئن بالإِيمان } أي : ساكن إِليه راضٍ به . { ولكنْ مَن شرح بالكفر صدراً } قال قتادة : من أتاه بايثار واختيار . وقال ابن قتيبة : من فتح له صدره بالقبول . وقال أبو عبيدة : المعنى : من تابعته نفسه ، وانبسط إِلى ذلك ، يقال : ما ينشرح صدري بذلك ، أي : ما يطيب . وجاء قوله : { فعليهم غضب } على معنى الجميع ، لأن « مَنْ » تقع على الجميع . فصل الإِكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها . وفي الإِكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان : إِحداهما : أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إِن لم يفعل ما أُمر به . والثانية : أن التخويف لا يكون إِكراها حتى يُنَال بعذاب . وإِذ ثبت جواز « التَّقِيَة » فالأفضل ألاَّ يفعل ، نص عليه أحمد ، في أسير خُيِّر بين القتل وشرب الخمر ، فقال : إِن صبر على القتل فله الشرف ، وإِن لم يصبر ، فله الرخصة ، فظاهر هذا ، الجوازُ . وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التَّقيَّة في شرب الخمر فقال : إِنما التقية في القول . فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك . فأما إِذا أُكره على الزنا ، لم يجز له الفعل ، ولم يصح إِكراهه ، نص عليه أحمد . فان أُكره على الطلاق ، لم يقع طلاقه ، نص عليه أحمد ، وهو قول مالك ، والشافعي . وقال أبو حنيفة : يقع . قوله تعالى : { ذلك بأنهم استحبَّوا الحياة الدنيا } في المشار إِليه بذلك قولان : أحدهما : أنه الغضب والعذاب ، قاله مقاتل . والثاني : أنه شرح الصدر للكفر . و « استحبُّوا » بمعنى : أحبوا الدنيا واختاروها على الآخرة . قوله تعالى : { وأن الله } أي : وبأن الله لا يريد هدايتهم . وما بعد هذا قد سبق شرحه [ البقرة : 7 ، والنساء : 155 ، والمائدة : 67 ] إِلى قوله : { وأولئك هم الغافلون } ففيه قولان : أحدهما : الغافلون عما يراد بهم ، قاله ابن عباس . والثاني : عن الآخرة ، قاله مقاتل . قوله تعالى : { لا جرم } قد شرحناها في [ هود : 22 ] . قوله تعالى : { ثم إِنَّ ربك للذين هاجروا مِنْ بعد ما فُتنوا } اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال : أحدها : أنها نزلت فيمن كان يُفْتَن بمكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس . والثاني : أن قوماً من المسلمين خرجوا للهجرة ، فلحقهم المشركون فأعطَوهم الفتنة ، فنزل فيهم { ومِنَ الناس من يقول آمنَّا بالله فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } [ العنكبوت 10 ] ، فكتب المسلمون إِليهم بذلك ، فخرجوا ، وأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى من نجا ، وقُتِل من قتل ، فنزلت فيهم هذه الآية ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والثالث : أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، كان الشيطان قد أزلَّه حتى لحق بالكفار ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقتَل يوم الفتح ، فاستجار له عثمان بن عفان ، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا مروي عن ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وفيه بُعد ، لأن المشار إِليه وإِن كان [ قد ] عاد إِلى الإِسلام ، فان الهجرة انقطعت بالفتح . والرابع : أنها نزلت في عيَّاش بن أبي ربيعة ، وأبي جندل بن سهيل عمرو ، وعبد الله بن أَسيد الثقفي ، قاله مقاتل . فأما قوله تعالى : { من بعد ما فُتنوا } فقرأ الأكثرون : « فُتنوا » بضم الفاء وكسر التاء ، على معنى : من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم . قال ابن عباس : فُتنوا بمعنى : عُذِّبوا . وقرأ عبد الله بن عامر : « فَتَنوا » بفتح الفاء والتاء ، على معنى : من بعد ما فتنوا الناس عن دين الله ، يشير إِلى من أسلم من المشركين . وقال أبو علي : من بعد ما فَتنوا أنفسهم باظهار ما أظهروا للتقية ، لأن الرخصة لم تكن نزلت بعدُ . قوله تعالى : { ثم جاهدوا } أي : قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { وصبروا } على الدين والجهاد . { إِن ربك من بعدها } في المكنيِّ عنها أربعة أقوال : أحدها : الفتنة ، وهو مذهب مقاتل . والثاني : الفَعلة التي فعلوها ، قاله الزجاج . والثالث : المجاهدة ، والمهاجرة ، والصبر . والرابع : المهاجرة . ذكرهما واللَّذَين قبلهما ابن الأنباري . قوله تعالى : { يوم تأتي } قال الزجاج : هو منصوب على أحد شيئين ، إِما على معنى : إِن ربك لغفور يوم تأتي ، وإِما على معنى : اذكر يوم تأتي . ومعنى { تجادل عن نفسها } أي : عنها . والمراد : أن كل إِنسان يجادل عن نفسه . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لكعب الأحبار : يا كعب خوِّفنا ، فقال إِن لجهنم زفرةً ما يبقى ملَك مقرَّب ولا نبيّ مرسل إِلاَّ وقع جاثياً على ركبتيه ، حتى إِن إِبراهيم خليل الرحمن ليدلي بالخلة فيقول : « يا رب أنا خليلك إِبراهيم ، لا أسألك إِلاَّ نفسي » ، وإِن تصديق ذلك في كتاب الله { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } . وقد شرحنا معنى « الجدال » في [ هود : 32 ] .