Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 16, Ayat: 78-80)

Tafsir: Lubāb at-taʾwīl fī maʿānī at-tanzīl

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله عز وجل : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً } تم الكلام هنا لأن الإنسان خلق في أول الفطرة ، ومبدئها خالياً عن العلم والمعرفة لا يهتدي سبيلاً ثم ابتدأ فقال تعالى { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } يعني أن الله سبحانه وتعالى إنما أعطاكم هذه الحواس لتنتقلوا بها من الجهل إلى العلم ، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب ، والسنة وهي الدلائل السمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم ، وجعل لكم الأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته ، وغرائب مخلوقاته ، فتستدلوا بها على وحدانيته . وجعل لكم الأفئدة لتعقلوا بها ، وتفهموا معاني الأشياء التي جعلها دلائل وحدانيته ، وقال ابن عباس : في هذه الآية يريد لتسمعوا مواعظ الله وتبصروا ما أنعم الله به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم ، إلى أن صرتم رجالاً وتعقلوا عظمة الله ، وقيل في معنى الآية : والله خلقكم في بطون أمهاتكم وسواكم وصوركم ، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة ، وجعل لكم الحواس آلات : لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به ، من شكر المنعم وعبادته ، والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم به في الآخرة . فإن قلت : ظاهر الآية يدل على أن جعل الحواس الثلاث بعد الإخراج من البطون ، وإنما خلقت هذه الحواس للإنسان من جملة خلقه ، وهو في بطن أمه . قلت : ذكر العلماء أن تقديم الإخراج ، وتأخير ذكر هذه الحواس لا يدل على أن خلقها كان بعد الإخراج لأن الواو لا توجب الترتيب ولأن العرب تقدم وتؤخر في بعض كلامها . وأقول لما كان الانتفاع بهذه الحواس بعد الخروج من البطن ، فكأنما خلقت في ذلك الوقت الذي ينتفع بها فيه وإن كانت قد خلقت قبل ذلك . وقوله تعالى { لعلكم تشكرون } يعني إنما أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم { ألم يروا إلى الطير مسخرات } يعني مذللات { في جو السماء } الجو الفضاء الواسع بين السماء والأرض وهو الهواء . قال كعب الأحبار : إن الطير ترتفع في الجو اثني عشر ميلاً ولا ترتفع فوق ذلك { ما يمسكهن إلا الله } يعني في حال قبض أجنحتها ، وبسطها واصطفاقها في الهواء ، وفي هذا حث على الاستدلال بها على أن لها مسخراً سخرها ، ومذللاً ذللها ، وممسكاً أمسكها في حال طيرانها ووقوفها في الهواء ، وهو الله تعالى { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } إنما خص المؤمنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يعتبرون بالآيات ويتفكرون فيها وينتفعون بها دون غيرهم . قوله سبحانه وتعالى { والله جعل لكم من بيوتكم } يعني التي هي من الحجر والمدر { سكناً } يعني مسكناً تسكنونه ، والسكن ما سكنت إليه وفيه من ألف أو بيت { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً } يعني الخيام والقباب والأخبية ، والفساطيط المتخذة من الأدم والأنطاع . واعلم أن المساكن على قسمين : أحدهما : ما لم يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر ، وهي البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما ، والقسم الثاني : ما يمكن نقله من مكان إلى آخر وهي الخيام والفساطيط المتخذة من جلود الأنعام ، وإليها الإشارة بقوله تعالى { تستخفونها } يعني يخف عليكم حملها { يوم ظعنكم } يعني في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم وظعن البادية هو لطلب ماء أو مرعى ، نحو ذلك { ويوم إقامتكم } يعني وتخف عليكم أيضاً في إقامتكم وحضركم ، والمعنى : لا تثقل عليكم في الحالتين { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } الكناية عائدة إلى الأنعام ، يعني ومن أصواف الضأن ، وأوبار الإبل وأشعار المعز { أثاثاً } يعني تتخذون أثاثاً . الأثاث . متاع البيت الكبير ، وأصله من أث إذا كثر وتكاثف ، وقيل للمال أثاث إذا كثر . قال ابن عباس : أثاثاً يعني مالاً : وقال مجاهد : متاعاً . وقال القتيبي : الأثاث المال أجمع من الإبل والغنم والعبيد والمتاع . وقال غيره الأثاث هو متاع البيت من الفرش والأكسية ونحو ذلك { ومتاعاً } يعني وبلاغاً وهو ما يتمتعون به { إلى حين } يعني إلى حين يبلى ذلك الأثاث ، وقيل : إلى حين الموت . فإن قلت : أي فرق بين الأثاث والمتاع حتى ذكره بواو العطف ، والعطف يوجب المغايرة فهل من فرق ؟ . قلت : الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه وغير ذلك فيدخل فيه جميع أصناف المال ، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة فظهر الفرق بين اللفظتين ، والله أعلم .