Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 31, Ayat: 12-19)
Tafsir: al-Baḥr al-muḥīṭ
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
لقمان : اسم علم ، فإن كان أعجمياً فمنعه من الصرف للعجمة والعلمية ، وإن كان عربياً فمنعه للعلمية وزيادة الألف والنون ، ويكون مشتقاً من اللقم مرتجلاً ، إذ لا يعلم له وضع في النكرات . صعر : مشدد العين ، لغة بني تميم . قال شاعرهم : @ وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فيقوم @@ فيقوم : أمر بالاستقامة للقوافي في المخفوضة ، أي فيقوم إن قاله أبو عبيدة وإنشاد الطبري فيقوما فعلاً ماضياً خطأ ، وتصاعر لغة الحجاز ، ويقال : يصعر . قال الشاعر : @ أقمنا له من خده المتصعر @@ ويقال : أصعر خده . قال الفضل : هو الميل ، وقال اليزيدي : هو التشدق في الكلام . وقال أبو عبيدة : أصل هذا من الصعر ، داء يأخذ الإبل في رؤوسها وأعناقها ، فتلتوي منه أعناقها . القلم : معروف . الختار : شديد الغدر ، ومنه قولهم : @ إنك لا تمد إلينا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر @@ وقال عمرو بن معدي كرب : @ وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر @@ وقال الأعشى : @ فالأيلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير ختار @@ { ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد ، وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يٰبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ، ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إليّ ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ، يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السمٰوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ، يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ، ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } اختلف في لقمان ، أكان حراً أم عبداً ؟ فإذا قلنا : كان حراً ، فقيل : هو ابن باعورا . قال وهب : ابن أخت أيوب عليه السلام . وقال مقاتل : ابن خالته . وقيل : كان من أولاد آزر ، وعاش ألف سنة ، وأدرك داود عليه السلام ، وأخذ منه العلم ، وكان يفتي قبل مبعث داود ، فلما بعث داود ، قطع الفتوى ، فقيل له : لم ؟ فقال : ألا أكتفي إذا كفيت ؟ وكان قاضياً في بني إسرائيل . وقال الواقدي : كان قاضياً في بني إسرائيل ، وزمانه ما بين عيسى ومحمد ، عليهما السلام ، والأكثرون على أنه لم يكن نبياً . وقال عكرمة ، والشعبي : كان نبياً . وإذا قلنا : كان عبداً ، اختلف في جنسه ، فقال ابن عباس ، وابن المسيب ، ومجاهد : كان نوبياً مشقق الرجلين ذا مشافر . وقال الفراء وغيره : كان حبشياً مجدوع الأنف ذا مشفر . واختلف فيما كان يعانيه من الأشغال ، فقال خالد بن الربيع : كان نجاراً ، وفي معاني الزجاج : كان نجاداً ، بالدال . وقال ابن المسيب : كان خياطاً . وقال ابن عباس : كان راعياً . وقيل : كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة . وهذا الاضطراب في كونه حراً أو عبداً ، وفي جنسه ، وفيما كان يعانيه ، يوجب أن لا يكتب شيء من ذلك ، ولا ينقل . لكن المفسرون مولعون بنقل المضطربات حشواً وتكثيراً ، والصواب تركه . وحكمة لقمان مأثورة كثيرة ، منها : قيل له : أي الناس شر ؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً . وقال له داود ، عليه السلام ، يوماً : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت في يد غيري ، فتفكر داود فيه ، فصعق صعقة . وقال وهب بن منبه : قرأت في حكم لقمان أكثر من عشرة آلاف . و { الحكمة } : المنطق الذي يتعظ به ويتنبه به ، ويتناقله الناس لذلك . { أن اشكر } ، قال الزمخشري : أن هي المفسرة ، لأن إيتاء الحكمة في معنى القول ، وقد نبه سبحانه على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما ، أو عبادة الله والشكر له ، حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشك . وقال الزجاج : المعنى : { ولقد آتينا لقمان الحكمة } لأن يشكر الله ، فجعلها مصدرية ، لا تفسيرية . وحكى سيبويه : كتبت إليه بأن قم . { فإنما يشكر لنفسه } : أي ثواب الشكر لا يحصل إلا للشاكرين ، إذ هو تعالى غني عن الشكر ، فشكر الشاكر لا ينفعه ، وكفر من كفر لا يضره . و { حميد } : مستحق الحمد لذاته وصفاته . { وإذ قال } : أي واذكر إذ ، وقيل : يحتمل أن يكون التقدير : وآتيناه الحكمة ، إذ قال ، واختصر لدلالة المتقدم عليه . وابنه بارّ ، أي : أو أنعم ، أو اشكر ، أو شاكر ، أقوال . { وهو يعظه } : جملة حالية . قيل : كان ابنه وامرأته كافرين ، فما زال يعظهما حتى أسلما . والظاهر أن قوله : { إن الشرك لظلم عظيم } من كلام لقمان . وقيل : هو خبر من الله ، منقطع عن كلام لقمان ، متصل به في تأكيد المعنى ؛ وفي صحيح مسلم ما ظاهره أنه من كلام لقمان . وقرأ البزي : { يا بني } ، بالسكون ، و { يا بني إنها } : بكسر الياء ، و { يا بني أقم } : بفتحها . وقيل : بالسكون في الأولى والثانية ، والكسر في الوسطى ؛ وحفص والمفضل عن عاصم : بالفتح في الثلاثة على تقدير يا بنيا ، والاجتزاء بالفتحة عن الألف . وقرأ باقي السبعة : بالكسر في الثلاثة . { ووصينا الإنسان بوالديه } : لما بين لقمان لابنه أن الشرك ظلم ونهاه عنه ، كان ذلك حثاً على طاعة الله ، ثم بين أن الطاعة تكون للأبوين ، وبين السبب في ذلك ، فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه ، أخبر الله عنه بذلك . وقيل : هو من كلام الله ، قاله للقمان ، أي قلنا له اشكر . وقلنا له : { ووصينا } . وقيل : هذه الآية اعتراض بيّن أثناء وصيته للقمان ، وفيها تشديد وتوكيد لاتباع الولد والده ، وامتثال أمره في طاعة الله تعالى . وقال القرطبي : والصحيح أن هذه الآية وآية العنكبوت نزلتا في سعد بن أبي وقاص ، وعليه جماعة من المفسرين . ولما خص الأم بالمشقات من الحمل والنفاس والرضاع والتربية ، نبه على السبب الموجب للإيصاء ، ولذلك جاء في الحديث الأمر ببرّ الأم ثلاث مرات ، ثم ذكر الأب ، فجعل له مرة الربع من المبرة . { وهناً على وهن } ، قال ابن عباس : شدة بعد شدة ، وخلقاً بعد خلق . وقال الضحاك : ضعفاً بعد ضعف . وقال قتادة : جهداً على جهد ، يعني : ضعف الحمل ، وضعف الطلق ، وضعف النفاس ، وانتصب على هذه الأقوال على الحال . وقيل : { وهناً على وهن } : نطفة ثم علقة ، إلى آخر النشأة ، فعلى هذا يكون حالاً من الضمير المنصوب في حملته ، وهو الولد . وقرأ عيسى الثقفي ، وأبو عمرو في رواية : وهناً على وهن ، بفتح الهاء فيهما ، فاحتمل أن يكون كالشعر والشعر ، واحتمل أن يكون مصدر وهن بكسر الهاء يوهن وهناً ، بفتحها في المصدر قياساً . وقرأ الجمهور : بسكون الهاء فيهما . وقرأوا : { وفصاله } . وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، والجحدري ، ويعقوب : وفصله ، ومعناه الفطام ، أي في تمام عامين ، عبر عنه بنهايته ، وأجمعوا على اعتبار العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات ، وأما في تحريم اللبن في الرضاع فخلاف مذكور في الفقه . و { أن اشكر } في موضع نصب ، على قول الزجاج . وقال النحاس : الأجود أن تكون مفسرة . { لي } : أي على نعمة الإيمان . { ولوالديك } : على نعمة التربية { إليّ المصير } : توعد أثناء الوصية . { وإن جاهداك } إلى : { فلا تطعهما } : تقدم الكلام عليه في العنكبوت ، إلا أن هنا عليّ ، وهناك لتشرك بلام العلة . وانتصب { معروفاً } على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي صحاباً ، أو مصاحباً معروفاً وعشرة جميلة ، وهو إطعامهما وكسوتهما وعدم جفائهما وانتهارهما ، وعيادتهما إذا مرضا ، ومواراتهما إذا ماتا . { واتبع سبيل من أناب إليّ } : أي رجع إلى الله ، وهو سبيل الرسول لا سبيلهما . { ثم إليّ مرجعكم } : أي مرجعك ومرجعهما ، فأجازي كلاً منكم بعمله . ولما نهى لقمان ابنه عن الشرك ، نبهه على قدرة الله ، وأنه لا يمكن أن يتأخر عن مقدوره شيء فقال : { يا بني إنها إن تك } ، والظاهر أن الضمير في إنها ضمير القصة . وقرأ نافع : مثقال ، بالرفع على { إن تك } تامة ، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر ، وأخبر عن مثقال ، وهو مذكر ، إخبار المؤنث ، لأضافته إلى مؤنث ، وكأنه قال : إن تك زنة حبة ؛ وباقي السبعة : بالنصب على { إن تك } ناقصة ، واسمها ضمير يفهم من سياق الكلام تقديره : هي ، أي التي سألت عنها . وكان فيما روي قد سأل لقمان ابنه : أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر ؟ أيعلمها الله ؟ فيكون الضمير ضمير جوهر لا ضمير عرض ، ويؤيده قوله : { إن تك مثقال حبة } . وقرأ عبد الكريم الجزري : فتكن ، بكسر الكاف وشد النون وفتحها ؛ وقراءة محمد بن أبي فجة البعلبكي : فتكن ، بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة . وقرأ قتادة : فتكن ، بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون ، من وكن يكن ، ورويت هذه القراءة عن عبد الكريم الجزري أيضاً : أي تستقر ، ويجوز أن يكون الضمير ضمير عرض ، أي تلك الفعلة من الطاعة أو المعصية . وعلى من قرأ بنصب مثقال ، يجوز أن يكون الضمير في أنها ضمير الفعلة ، لا ضمير القصة . قال الزمخشري : فمن نصب يعني مثقال ، كان الضمير للهيئة من الإساءة والإحسان ، أي كانت مثلاً في الصغر والقماءة ، كحبة الخردل ، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه ، كجوف الصخرة ، أو حيث كانت من العالم العلوي أو السفلي . { يأت بها الله } ، يوم القيامة ، فيحاسب عليها . { إن الله لطيف } ، يتوصل علمه إلى كل خفي . { خبير } : عالم بكنهه . وعن قتادة : لطيف باستخراجها ، خبير بمستقرها . وبدأ له بما يتعلق به أولاً ، وهو كينونة الشيء . { في صخرة } : وهو ما صلب من الحجر وعسر إخراجه منها ، ثم أتبعه بالعالم العلوي ، وهو أغرب للسامع ، ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد ، وهو الأرض . وعن ابن عباس والسدي ، أن هذه الصخرة هي التي عليها الأرض . قال ابن عباس : هي تحت الأرضين السبع ، يكتب فيها أعمال الفجار . قال ابن عطية : قيل : أراد الصخرة التي عليها الأرض والحوت والماء ، وهي على ظهر ملك . وقيل : هي صخرة في الريح ، وهذا كله ضعيف لا يثبت سنده ، وإنما معنى الكلام : المبالغة والانتهاء في التفهيم ، أي إن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة ، وما يكون في السماء والأرض . انتهى . قيل : وخفاء الشيء يعرف بصغره عادة ، ويبعده عن الرائي . وبكونه في ظلمة وباحتجابه ، ففي صخرة إشارة إلى الحجاب ، وفي السموات إشارة إلى البعد ، وفي الأرض إشارة إلى الظلمة ، فإن جوف الأرض أظلم الأماكن . وفي قوله : { يأت بها الله } دلالة على العلم والقدرة ، كأنه قال : يحيط بها علمه وقدرته . ولما نهاه أولاً عن الشرك ، وأخبره ثانياً بعلمه تعالى وباهر قدرته ، أمره بما يتوسل به إلى الله من الطاعات ، فبدأ بأشرفها ، وهو الصلاة ، حيث يتوجه إليه بها ، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها ، أو على ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف ممن يبعثه عليه ، والنهي عن المنكر ممن ينكره عليه ، فكثيراً ما يؤذى فاعل ذلك ، وهذا إنما يريد به بعد أن يمثل هو في نفسه فيأتي بالمعروف . إن ذلك إشارة إلى ما تقدم مما نهاه عنه وأمره به . والعزم مصدر ، فاحتمل أن يراد به المفعول ، أي من معزوم الأمور ، واحتمل أن يراد به الفاعل ، أي عازم الأمور ، كقوله : { فإذا عزم الأمر } [ محمد : 21 ] . وقال ابن جريج : مما عزمه الله وأمر به ؛ وقيل : من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة . والظاهر أنه يريد من لازمات الأمور الواجبة ، لأن الإشارة بذلك إلى جميع ما أمر به ونهى عنه . وهذه الطاعات يدل إيصاء لقمان على أنها كانت مأموراً بها في سائر الملل . والعزم : ضبط الأمر ومراعاة إصلاحه . وقال مؤرج : العزم : الحزم ، بلغة هذيل . والحزم والعزم أصلان ، وما قاله المبرد من أن العين قلبت حاء ليس بشيء ، لاطراد تصاريف كل واحد من اللفظين ، فليس أحدهما أصلاً للآخر . { ولا تصعر خدك للناس } : أي لا تولهم شق وجهك ، كفعل المتكبر ، وأقبل على الناس بوجهك من غير كبر ولا إعجاب ، قاله ابن عباس والجماعة . قال ابن خويز منداد : نهى أن يذل نفسه من غير حاجة ، وأورد قريباً من هذا ابن عطية احتمالاً فقال : ويحتمل أن يريد : ولا سؤالاً ولا ضراعة بالفقر . قال : والأول ، يعني تأويل ابن عباس والجماعة ، أظهر لدلالة ذكر الاختيال والعجز بعده . وقال مجاهد : { ولا تصعر } ، أراد به الإعراض ، كهجره بسب أخيه . وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم ، وزيد بن علي : تصعر ، بفتح الصاد وشد العين ؛ وباقي السبعة : بألف ؛ والجحدري : يصعر مضارع أصعر . { ولا تمش في الأرض مرحاً } : تقدم الكلام على هذه الجملة في سورة سبحان : { إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً } [ النساء : 36 ] تقدم الكلام في النساء على نظير هذه الجملة في قوله : { إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً } . ولما وصى ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ صار هو في نفسه ممتثلاً للمعروف مزدجراً عن المنكر ، أمر به غيره وناهياً عنه غيره ، نهاه عن التكبر على الناس والإعجاب والمشي مرحاً ، وأخبره أنه تعالى لا يحب المختال ، وهو المتكبر ، ولا الفخور . قال مجاهد : وهو الذي يعدد ما أعطي ، ولا يشكر الله . ويدخل في الفخور : الفخر بالأنساب . { واقصد في مشيك واغضض من صوتك } : ولما نهاه عن الخلق الذميم ، أمره بالخلق الكريم ، وهو القصد في المشي ، بحيث لا يبطىء ، كما يفعل المتنامسون والمتعاجبون ، يتباطؤون في نقل خطواتهم المتنامسين للرياء والمتعاجب للترفع ، ولا يسرع ، كما يفعل الخرق المتهور . ونظر أبو جعفر المنصور إلى أبي عمرو بن عبيد فقال : كلكم يمشي رويداً ، كلكم يطلب صيداً ، غير عمرو بن عبيد . وقال ابن مسعود : كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ، ولكن مشياً بين ذلك . وقيل : معناه : اجعل بصرك موضع قدمك . وقرىء : وأقصد ، بهمزة القطع : أي سدد في مشيك ؛ من أقصده الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ، ونسبها ابن خالويه للحجاز . والغض من الصوت : التنقيص من رفعه وجهارته ، والغض : رد طموح الشيء ، كالصوت والنظر والزمام . وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت ، وتمدح به في الجاهلية ، ومنه قول الشاعر : @ جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعيم ويخطو على الأين خطو الظليم ويعلو الرجال بخلق عميم @@ وغض الصوت أوفر للمتكلم ، وأبسط لنفس السامع وفهمه . وأنكر : أفعل ، إن بنى من فعل المفعول ، كقولهم : أشغل من ذات النحيين ؛ وبناؤه من ذلك شاذ . والأصوات : أصوات الحيوان كلها . وأنكر جماعة للمذام اللاحقة للأصوات ، والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة . شبه الرافعون أصواتهم بالحمير ، وأصواتهم بالنهاق ، ولم يؤت بأداة التشبيه ، بل أخرج مخرج الاستعارة ، وهذه أقصى مبالغة في الذم والتنفير عن رفع الصوت . ولما كان صوت الحمير متماثلاً في نفسه ، لا يكاد يختلف في الفظاعة ، أفرد لأنه في الأصل مصدر . وأما أصوات الحمير فغير مختلفة جداً ، جمعت في قوله : { إن أنكر الأصوات } ، فالمعنى : أنكر أصوات الحمير ، بالجمع بغير لام . وقال الحسن : كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات ، فرد عليهم بأنه لو كان خيراً ، فضل به الحمير . والظاهر أن قوله : { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } من كلام لقمان لابنه ، تنفير له عن رفع الصوت ، ومماثلة الحمير في ذلك . قيل : هو من كلام الله تعالى ، وفرغت وصية لقمان في قوله : { واغضض من صوتك } رداً لله به على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بجهارة الصوت ، ورفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة ، وربما يخرج الغشاء الذي هو داخل الأذن . وقيل : { واقصد في مشيك } : إشارة الى الأفعال ، { واغضض من صوتك } : إشارة إلى الأقوال ، فنبه على التوسط في الأفعال ، وعلى الإقلال من فضول الكلام .