Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 2, Ayat: 61-61)
Tafsir: Tafsīr al-imām ʾibn ʿArafa
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ … } الإقبال بالخطاب تأكيد لما تضمنه الكلام من المدح والإكرام أو الذم والتوبيخ . ( قوله ) . { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ } ( أنظر ما فيه ) من الجفاء والغلظة والجهل لقولهم : " لَن نَّصْبِرَ " ولقولهم " رَبَّكَ " ولم يقولوا " رَبَّنَا " وجعلوه واحدا إما من جهة أنه كله ( خبز ) ( أو ) إدام للخبز ، وليس فيه خبز بوجه ، وإما من ( أجل ) تكرر كل يوم بعينه من غير أن يتبدل . قوله تعالى : { مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا … } . قيل / لابن عرفة : هل هذا ترق بدأوا بالبقل ثم بالفوم وهو القمح ؟ فقال : ( بعيد ) لقوله " وبصلها " فهو في هذا تدلٍّ . قوله تعالى : { أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ … } . قال ابن عرفة : كان الشيخ أبو عبد الله بن سلام يقول : إن هؤلاء لم يطلبوا ذلك بدلا من طعامهم بل زيادة عليه لقولهم : { لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } ولم يقولوا : لن نحب هذا الطعام فكيف أنكر عليهم استبداله ؟ قال : وتقدم الجواب عنه بأنهم إذا أكلوا من الطّعام الذي طلبوه فإنه ينقص أكلهم من الطّعام الأول بقدر ما أكلوا من هذا فقد حصلت لهم ( المبادلة ) في ذلك المقدار فمن كان يأكل رطلا من المنّ والسلوى قبل ذلك يصير الآن يأكل ( منه ) نصف رطل أو أقل . نعم إنهم ( يجتمعون ) في ملك واحد . وحَوْز واحد ولا يجتمع ذلك في ( بطن ) واحد إلاّ على الصفة التي ذكرنا . قيل لابن عرفة : قد ( لا ) يأكل الإنسان من ( الخبز ) والإدام ، والخبز أكثر ( مما ) يأكل من كل ( واحد ) منها على انفراده ؟ فقال : وكذلك ( أيضا ) يأكل من العسل إذا ( عقد ) وصنع ( خبيصا أو نحوه ) كثيرا . قيل لابن عرفة : أو يجاب بأنهم طلبوا النقلة من ذلك الموضع ( إلى موضع ينبت فيه البقل والقثاء والفوم وما قام الدليل على أن ذلك الموضع ) المنتقل إليه ينزل عليهم فيه المن والسلوى وكأنهم طلبوا الاستبدال . فقال ( ابن عرفة ) : هذا صحيح لو كان ( هذا ) من كلامهم لأن { ٱهْبِطُواْ مِصْراً } من كلام موسى عليه السلام عن الله تعالى ، فالذم إنما هو على طلبهم الاستبدال وطلب ( الاستبدال ) ليس من كلامهم . ( ( بل ( من ) دلالة الحال والأمر العادي ) ) فهو لازم قولهم ، لأن تلك الأرض لم تجر العادة بإنباتها تلك الأشياء ( فطلبهم تلك الأشياء ) يستلزم طلبهم النقلة منها إلى أرض تُنبِتُها ولا ينزل فيه المن والسلوى . والذم إنما هو على سؤالهم . قيل لابن عرفة : هذا كله على تسليم السؤال ، ولنا أن نمنعه ونقول : إن سؤالهم ليس بنصّ في أنهم طلبوا الزيادة بل ( هو ) ظاهر في ذلك فقط ؟ والجواب ( أنهم لهم ) نص في طلبهم الاستبدال وإنما عبّروا عنه بلفظة محتملة احتمالا مرجوحا ، وربما ينافيه . ومعنى كلامهم : لن نصبر على هذا الطعام لأنه طعام واحد بل نرجع إلى أطعمتنا المعتادة المتعودة . فقال ابن عرفة : هذا هو الحق والله أعلم . قوله تعالى : { ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ … } . سماه " أَدْنَى " لكونه يأتيهم بعد تكليف ومشقة ، والمنّ والسلوى ينزل عليهم بلا كلفة ، ( أو ) أنه حلال محض أو بأنه ألذّ وأطيب ، أو أنه الذي أمرهم الله به ففي أكله الشكر عليه نعمة وأجر . قلت لشيخنا ابن عرفة : مساق الآية يقتضي أنه فيه دناءة قليلة مع أنه خير كله ؟ فقال : لا يريد الذي هو أدنى من طعامكم ( هذا ، بل يريد الذي هو أدنى ) بالإطلاق فليس في المن والسلوى دناءة . قال القرطبي : يؤخذ من الآية تفضيل المستلذات الدنيوية ، وأنها مباحة راجحة ليس فيها مرجوحية بوجه لأجل وصفها بالخير . ( فرده ) ابن عرفة بأنه يلزم من ذلك رجحانها ، فلعل وصفها بالخير لأجل أنها تنال بلا مشقة ولا تكلف . قوله تعالى : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ … } . ( قال ابن عرفة ) : المسكنة إن كانت من أقسام الفقر فهي مغايرة ( للذلة ) ، وإن لم تكن من أقسامه فيكون المسكين هو الذي يسأل ، والذلة مسكنة من غير سؤال ، وضرب الذلة عليهم مطلق يصدق بصورة إما في عصر من الأعصار وهو زمن بعثة نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآن ( وكذا ) تعمّ الذلة اليهود في كل بلد ، أو يكون في بعض البلاد ، أو في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام وما بعده إلى الآن وسجل عليهم بوصف الغضب ، وكونه من الله تعالى فهو أشد عليهم . قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ … } . قال ابن عرفة : ذمّهم على قبح ما صدر منهم في ( قوتهم ) العلمية والعملية ، و ( جمع ) الأنبياء مبالغة في كثرة قتلهم ، وكذلك جمع الضمير في " يقتلون " ، أو يكون حقيقة . وقد قال الإمام مالك رضي الله عنه في جامع العتيبية : بلغني أنه مات في مسجد ( الخيف ) كذا كذا كذا نبي ماتوا كلهم بالقمل والجوع . ( قال ابن رشد ) : لزهدهم في الدنيا أو لآن الله تعالى يبتلي عباده المؤمنين بالإذاية ليصبروا ( فيه ) فيعظم أجرهم عند الله . قال ابن عطية : من همز النبيء فهو عنده من ( الإنباء ) إذا أخبر . قال ( ابن عرفة ) : معناه كونه يخبر الناس بأنه يوحى إليه على الجملة . والرسول يبلغهم الأحكام والشرائع ويدعوهم إلى الإيمان . قوله تعالى : { بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ … } . ما الفائدة فيه مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك ؟ وأجاب الزمخشري بأنه الحق باعتبار الدّعوى ، كما إذا تخاصم رجلان فكل واحد منهما يزعم أنه على الحق ولدعواه مرجح ، ( وهم يقتلون ) ولا يستندون في ( قتلهم ) إلى شبهة بوجه ، وهم بحيث لو سئلوا عن موجب ذلك لم يستحضروا له سببا . وفي سورة آل عمران { بِغَيْرِ حَقٍّ } فهو مطلق وهذا ( معرف ) بالعهد أي بغير الحق المعهود في الدعاوى لا الحق الثابت في نفس الأمر لأن قتل النّبيئين لا يكون إلاّ بغير ذلك الحق . قوله تعالى : { ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ … } . و / إن كانت الإشارة إلى المشار إليه أولا فهو من التعليل بعلتين فأكثر ( فيجيء ) فيه تعداد ( العلل ، والعلل ) الشرعية يصحّ تعدّدها مطلقا ، وكذلك العقلية ( تتعدد ) لكن بالنوع لا بالشخص ، وإن كانت الإشارة إلى العلة الأولى فيكون من تعليل المعصية بمعصية أخرى . فإن قلت : إذا كانتا علتين فهلا عطف بالواو ولم ( يكرر ) سم الإشارة بكأن يقال : وبما عصوا ؟ فالجواب : أنه إشارة إلى أن كل واحدة منهما علة مستقلة يحسن التعليل بها . فإن قلت : لم أُكّدت الأولى دون الثانية بأن ؟ قلنا : ( الغرابة ) القتل ، وعدم تكرره بخلاف المعصية والاعتداء فإنّه يكثر تكرره ، ويتجدّد شيئا فشيئا ، ونفي ( أكثريته ) لا يدعيه أحد . قال الطيبي : على أن القتل والاعتداء علتان ( تكون ) الأولى للمصاحبة بمعنى مع ، والثانية للسبب . وفيه ( تقديم ) وتأخير ، أي ذلك بكفرهم ( وعصيانهم ) مع قتلهم النبيئين بغير الحق . قال ابن عرفة : الصواب إنما للسبب مطلقا ولا يحتاج إلى تقديم ولا ( إلى ) تأخير .