Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 4, Ayat: 2-2)

Tafsir: al-Lubāb fī ʿulūm al-kitāb

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

لما وَصَّى في الآية السابقة بالأرحام وصَّى في هذه الآية بالأيتام ؛ لأنَّهم قد صاروا بحيثُ لا كافِلَ لهم ولا مُشْفِقَ فيهم - أسوأ حالاً ممن له رحم ، فإنه عطفه عليه ، وهذا خطاب الأولياء والأوصياء . قالوا : إن اليتيم من لا أب له ولا جد ، والإيتاء : الإعطاء قال أبو زيد : أتَوْتُ الرجلَ آتُوه إتَاوَةً ، وهي الرّشوة . وقال الزمخشريُّ : الأيتام الذين مات آباؤهم ، وَاليُتْمُ : الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة ، والدُّرة اليتيمة . وقيل : [ اليتيم ] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات . قال : وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد عن الآباء ، إلا أنَّ في العرف اختصّ هذا الاسم بمن لم يبلغ ، فإذا صار مستعيناً بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله ، زال عنه هذا الاسم ؛ وكانت قريش تقول لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَتِيم أبِي طَالِبٍ ، إمَّا على القياس ، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له . وأما على قوله عليه السلام : " لاَ يتم بَعْدَ بُلُوغ " فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة . وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه : إذا أونِسَ منه الرشد انقطع يتمه . وفي بعض الروايات : إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعدُ [ فأخبر ابن عباس ] أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ ، إذا لم يؤنس منه الرُّشْدُ ، ثم قال أبو بكر : " واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها " . قال عليه السلام : " تستأمر اليتيمة في نفسها " وهي لا تستأمر إلاَّ وهي بالغة . قال الشاعر : [ الرجز ] @ 1732 - إنَّ الْقُبُورَ تَنْكِحُ الأيَامى النِّسْوَةَ والأرَامِلَ الْيَتَامَى @@ فالحاصل أنّ اسم اليتيم بحسب اللُّغة يتناول الصغير والكبير . فإن قيل : كيف جُمِعَ اليتيمُ على يتامى ؟ واليتيم فعيل : فيجمع على فعلى ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى ، وجريح وجرحى ؟ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ : فيه وجهان . أحدهما : أن يقال : إن جمع اليتيم ، يَتْامَى ، ثمّ يجمع فعلى على فَعَالَى كأسير وأسَارَى . والثاني : أن نقول : جمع اليتيم يتائم ؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو " صاحب " و " فارس " ثم تنقلب " اليتائم " " يتامى " . قال القفّال : " ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى ، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف " . فإن قيل : إن اسم اليتيم مختص بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع ماله إليه ، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً ، فكيف قال : { وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ } . فالجوابُ من وجهين : الأول : أن يقال : المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا ، وسمَّاهم الله - تعلى - يتامى ، إما على أصل اللغة ، وإما لقرب عهدهم باليُتْم ، وإن كان قد زال من هذا الوقت كقوله تعالى : { وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } [ الأعراف : 120 ] . أي : الذين كانوا سحرة قبل السُّجود ، وأيضاً سمَّى اللَّهُ تعالى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ } [ الطلاق : 2 ] والمعنى مقاربة الأجل ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } [ النساء : 6 ] والإشهاد عليهم لا يصح قبل البلوغ . الوجه الثاني : أن يقال : المراد باليتامى الصِّغار ، وعلى هذا ففي الآية وجهان : أحدهما : أن قوله " وَآتُوا " أمر ، والأمر يتناول المستقبل فيكون المعنى : أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم . فتزول المناقضة . والثاني : أنَّ المُرَاد : وآتوا اليتامى حال كونهم يَتَامَى ما يحتاجونه مِنْ نفقتهم وكسوتهم ، والفائدة فيه : أنه كان يجوز أن يظنّ أنّه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال صغره ، فأباح اللَّهُ - تعالى - ذلك ، وفيه إشكال وهو : أنه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم ، والآية تَدُلُّ على إيتائهم كل مالهم . فصل نقل أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم ، وعزلوا أموالهم عن أموال اليتامى ، فَشَكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل اللهُ تعالى { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } [ البقرة : 220 ] . فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم . قال المفسرون : الصحيح أنها " نزلت في رجل من غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمُّهُ فترافعا إلى النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ، فلما علمها العَمُّ قال : أطَعْنَا اللَّهَ وأطعنا الرَّسُولَ ، نعوذ بالله من الحُوب الكبير ، ودفع إليه ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيطعْ رَبَّهُ هكذا فإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ " أي : جَنَّتهُ ، فلما قبض الصَّبِيُّ ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى لله عليه وسلم " ثَبَتَ الأجْرُ وَبَقِيَ الوِزْرُ " فقالوا : يا رسول الله : لقد عرفنا أنه ثبت الأجْرُ ، فكيف بقي الوِزْرُ وهو ينفق في سبيل الله فقال : " ثبت الأجْرُ لِلْغُلاَم ، وَبَقِي عَلَى وَالِدِهِ الْوزْرُ " " . قال القرطبيُّ : وإيتاء اليتامى أموالهم يكون من وجهين : أحدهما : إجراء الطَّعام والكسوة ما دامت الولاية ، إذْ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي كالصغير والسفيه الكبير . والثاني : الإيتاء بالتمكين وتسليم المال إليه ، وذلك عند ابتلاء والإرشاد وتكون تسميته حينئذ يتيماً مجازاً بمعنى : الَّذي كان يتيماً استصحاباً للاسم ، كقوله { فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } [ الشعراء : 46 ] أي الذين كانوا سحرة ، وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم " يتيم أبي طالب " فإذا تحقَّقَ الوليّ رشده حَرُمَ عليه إمساك ماله عنه . قال أبو حنيفة : إذا بلغ خمساً وعشرين سنة ، أعطي ماله على كل حال ؛ لأنَّه يصير جداً . قوله : { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ } وقد تقدَّم في البقرة قوله : { فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } [ البقرة : 59 ] أنَّ المجرور بالباء هو المتروك ، والمنصوب هو الحاصل ، وتفعل هنا بمعنى استفعل ، وهو كثير ، نحو تَعَجَّل وَتََأَخَّرَ بمعنى استعجل واستأخر ومن مجيء تبدَّلَ بمعنى اسْتَبْدَلَ قولُ ذي الرمة : [ الطويل ] @ 1733 - فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا عَنِ الدَّارِ وَالمُسْتَخْلَفِ الْمَتِبَدِّلِ @@ أي : المستبدل . قل الواحدي : " تبدل الشَّيء بالشيء إذا أخذ مكانه " . قوله : " بالطيِّب " . هو المفعول الثاني لـ " تتبدلوا " . وفي معنى هذا التبدُّل وجوه : الأول : قال الفرّاء والزَّجَّاج : لا تستبدلوا الحرام ، وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم الذي لأبيح لكم . الثاني : قل سعيد بن المسيب والنخعي والزهْريُّ والسُّدِّيُّ : وكان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتم ، ويجعلون مكانه الرديء ، وربما كان أحدهم أخذ الشّاة السّمينة ، ويضع من مال اليتم ويجعل مكانها المهزولة ، ويأخذ الدرهم الجيد ، ويجعل مكانه الزيف ، يقول : درهم بدرهم ، فَنُهُوا عن ذلك . وطعن الزمخشريُّ : في هذا الوجه فقال : ليس هذا تَبَدُّلاً ، إنما هو تبديل . الثالث : أن يكون صديقه فيأخذ منه نعجة عجفاء مكان سمينة من مال الصبي . الرابع : معناه لا تأكلوا مال اليتيم سلفاً مع التزام بَدَلِهِ بعد ذلك . فصل قل أبو العباس المقرئ : ورد لفظ " الطيِّب " في القرآن على أربعة أوجه : الأول : الحلال كهذه الآية . الثاني : بمعنى الظَّاهر كقوله تعالى : { صَعِيداً طَيِّباً } [ النساء : 43 ] أي : ظاهراً . الثالث : بمعنى الحَسَن قال تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [ فاطر : 10 ] أي : الحسن ، ومثله { وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ } [ النور : 26 ] أي : الكلام الحسن للمؤمنين . الرابع : الطيِّبَ : المؤمن قال تعالى : { حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ } [ آل عمران : 179 ] يعني : الكافر من المؤمن . قوله : { وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ } في قوله ثلاثة أوجه : أحدها : أن " إلى " بمعنى " مع " كقوله : { إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } [ المائدة : 6 ] ، وهذا رأي الكوفيين . الثاني : أنها على بابها وهي ومجرورها متعلّقة بمحذوف على أنَّه حال ، أي : مضمومة ، أو مضافة إلى أموالكم . الثالث : أن يضمَّن " تأكلوا " بمعنى " تضموا " كأنه قيل : ولا تَضمُّوهَا إلى أموالكم آكلين . قال الزمخشريُّ : فإن قلت : قد حَرَّمَ عليهم أكل مال اليتامى ، فدخل فيه أكله وحده ومع أموالهم ، فَلِمَ ورد النهي عن أكلها معها ؟ قلت : " لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - تعالى - من الحلال ، وهم مع ذلك يَطْعمون منها ، كان القبحُ أبلغ والذمُّ ألحق ، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم ، وشَنَّعَ بهم ليكون أزجر لهم " . واعلم أنه تعالى ، وَإنْ ذكر الأكل ، فالمرادُ به سائر التصرفات المملكة للمال ، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله . قوله : { إِنَّهُ كَانَ حُوباً } في الهاء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها تعود على الأكل المفهوم ، من " لا تأكلوا " . الثَّاني : على التبدُّلِ المفهوم من " لا تَتَبَدَّلُوا الخبيثَ " . الثالث : عليهما ذهاباً به مذهب اسم الإشارة نحو : { عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } [ البقرة : 68 ] ومنه : [ الرجز ] @ 1734 - كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ @@ وقد تقدم ذلك في البقرة ، والأول أولى لأنه أقرب مذكور . وقرأ الجمهور " حُوباً " بضم الحاءِ ، والحسن بفتحها ، وبعضهم : " حَاباً " بالألف ، وهي لغت في المصدر ، والفتح لغة تميم . ونظير الحوْب والحاب ، والقول والقال ، والطُّرد والطَّرْد - وهو الإثم - وقيل : المضموم اسم مصدر ، [ والمفتوح مصدر ] وأصله من حوب الأبل ، وهو زجرها فسُمِّي به لإثم ؛ لأنه يزجر به ، ويطلق على الذَّنب أيضاً ؛ لأنه يزجر عنه ، ومنه قول عليه السلام : " إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوْب " أي : لذنب عظيم . وقل القرطبي : والحوبُ الوحشة ، ومنه قوله عليه السَّلام أبي أيوب " إن طلاق أم أيوب لحوب " . قال القفال : وكأن أصل الكلمةِ من التَّحوُّبِ وهو التَّوجُّعُ ، فالحوبُ هو ارتكاب ما يتوجَّعُ المرتكبُ منه ، يقال : حَابَ يَحُوب ، حَوْباً ، وحَاباً وحِيابة . قال المخبل السعدي : [ الطويل ] @ 1735 - فلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حُوبُ فَإنَّكَ تَلْقَاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ @@ وقال آخر [ الوافر ] @ 1736 - وإنّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ غَدَاتَئِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا @@ والحَوْبةُ : المرة الواحدة ، والحَوْبَةُ : الحاجة ، ومنه في الدعاء " إليكَ أرفع حَوْبَتِي " ، وأوقْعَ اللَّهُ الْحَوْبَة ، و " تحوَّب فلان " إذا خرج من الحَوْب كتحرَّج وتَأَثَّمَ ، والتضعيف للسَّلْبِ ، و " الحَوْأب " بهمزة بعد الواو المكان الواسع والحوب الحاجة ، يقال : ألحق اللَّهُ به الحوبةَ ، أي : [ المسألة ] والحاجة ، والمسكنة ومنه قولهم باب بحيبة سوء ، وأصل الياء الواو ، وتحوَّب فلان أي : تعبد وألقى الحوب عن نفسه ، والتحوُّب أيضاً التحزُّن ، وهو أيضاً الصياحُ الشديد كالزَّجْرِ .