Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 41, Ayat: 36-39)

Tafsir: al-Lubāb fī ʿulūm al-kitāb

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله تعالى : { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ … } الآية . تقدم تفسيرها في آخر سورة الأعراف . قال الزمخشري : النَّزغُ والنَّسْغُ بمعنى واحد وهو شبه النَّخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه يبعثه على ما لا ينبغي . والمعنى وإن صرفك الشيطان عما شرع لك من الدفع بالتي هي أحسن فاستعذ بالله من شره " إنه هو السميع " لاستعاذتك وأقوالك " العليم " بأفعالك وأحوالك . قوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ … } الآية لما بين تعالى في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى وهي عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته ، ومن جملتها العالم بجميع أجزائه فبدأ هاهنا بذكر الفلكيِّات وهي اللَّيل والنَّهار ، والشمس والقمر ، وقدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدمٌ ، والنور وجود ، والعدم سابق على الوجود ، وهذا كالتنبيه على وجود الصانع وتقدم شرحه مراراً . ولما بين أن الشمس والقمر يحدثان وهما دليلان على وجود الإله القادر قال { لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } يعني أنهما عبدان دليلان على وجود الإله ( القادر ) والسجود عبارة عن نهاية التعظيم وهو لا يليق إلا بمن كان أشرف الموجودات فقال : { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } لأنهما عبدان مخلوقان ، واسجدوا لله الخالق القادر الحكيم . قوله : " خَلَقَهُنَّ " في هذا الضمير ثلاثة أوجه : أحدهما : أنه يعود على " الليل والنهار والشمس والقمر " . وفي مجيء الضمير كضمير الإناث ( كما قال الزمخشري هو أنَّ جمع ما لا يعقل حكمه حكم الأنثى أو الإناث ) نحو : الأَقْلاَمُ بريتُهَا وبرَيْتُهُنَّ . وناقشه أبو حيان : من حيث إنه لم يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك ؛ لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث ، وفي جمع الكثرة أن يعامل معاملة الأنثى ، فالأفصح أن يقال : الأجذاع كَسَرتهُنَّ ، والجذوع كسرتُهَا ، والذي تقدم في هذه الآية ليس بجمع قلة أعني بلفظ واحد ولكنه ذكر أربعة متعاطفة فتنزَّلَت منزلة الجمع المعبر به عنها بلفظ واحد . قال شهاب الدين : والزمخشري ليس في مقام بيان الفصيح والأفصح بل في مقام كيفية مجيء الضمير ضمير إناث بعد تقدم ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب المذكر على المؤنث أو لَمَّا قال : " وَمِن آياتِهِ " كُنَّ في معنى الآيات فقيل : خَلَقَهُنَّ . ذكر الزمخشري أيضاً أنه يعود على لفظ الآيات وهذا هو الوجه الثاني . الثالث : أنه يعود على الشمس والقمر ؛ لأن الاثنين جمع ، والجمع مؤنث لقولهم : " شُمُوسٌ وأَقْمَارٌ " . وقال البغوي : إنما قال خلقُهُنَّ بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير ، ولم يُجْر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث . قوله : { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } قيل : كان ناسٌ يسجدون للشمس والقمر كالصَّابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنه يقصدون بالسجود لهما السجود لله ، فَنُهُوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي خلق هذه الأشياء . قوله : { فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ } أي عن السجود { فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ } لا يَمَلُّونَ . فإن قيل : إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقلّ وأذلّ من أن يحصُل لنا أهليَّةٌ لعبادة الله تعالى ولكنا عبيدٌ للشمس والقمر وهما عبدان لله تعالى ، وإذا كان قولهم هكذا فكيف يليق بهم أنهم استكبروا عن السجود لله تعالى ؟ ! . فالجواب : ليس المراد من الاستكبار ههنا ما ذكرتم بل المراد استكبارهُم عن قبول قولك يا محمد بالنهي عن السجود للشمس والقمر . فصل قال ابن الخطيب ليس المراد بهذه العِنديَّة قرب المكان ، بل يقال : عند المَلِك من الجُند كذا وكذا ، ويدل عليه قوله : " أنا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي بِي " وأنا عِنْدَ المُنْكَسِرَة قُلُوبُهُم من أجلي في مقعدٍ صدقٍ عند ملكٍ مُقتدرٍ ، ويقال : عند الشافعي : أنَّ المُسْلم لا يُقْتَلُ بالذِّمِّيِّ . فصل دلَّت هذه الآية على أن المَلِكَ أفضل من البشر ؛ لأنه إنما يُسْتَدَلُّ بحال الأعلى على الأدنى فيقال : هؤلاء القوم إن استكبروا عن طاعة فلان ، فالأكابر يخدمونه . فإن قيل : وصف الملائكة بأنهم يسبحون له بالليل والنهار لا يفترون ، وهذا يدل على مواظبتهم على التسبيح لا ينفكون عنه لحظةً واحدة كما قال : { يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 20 ] واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال لكنهم ينزلون على الأرض ، كما قال تعالى { نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } [ الشعراء : 193ـ194 ] وقال { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } [ الحجر : 51 ] وقال { عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } [ التحريم : 6 ] وقال عن الذين قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [ آل عمران : 125 ] . فالجواب : أن الذين ذكرهم الله ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام مُعيَّنُونَ من الملائكة . فصل اختلفوا في مكان السجدة فقال الشافعي رحمهُ الله هو عند قوله تعالى " إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " وقال أبو حنيفة رضي الله ـ : هو عند قوله تعالى " وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ " . قوله : " وَمِنْ آيَاتِهِ " أي ومن دلائل قدرته أنك ترى الأرض خاشعةً أي يابسة غير الإنبات فيها { فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } ، أي تحركت بالنبات ، وَرَبَت انْتَفَخَتْ ؛ لأن النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عن النبات . واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الأربعة الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي هذه الآية ثم قال : { إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } يعنى أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادرُ على أحياء هذه الأجساد بعد موتها . ثم قال : { إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وهذا هو الدليل الأصلي وتقدم تقريره مِرَاراً .