Back to subchapter overview

Subchapter (Sura: 75, Ayat: 16-19)

Tafsir: al-Lubāb fī ʿulūm al-kitāb

The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com

قوله : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } . قال بعض الرافضة : عدم مناسبتها لما قبلها يدل على تغيير القرآن . قال ابن الخطيب : وفي مناسبتها وجوه : الأول : لعل استعجال الرسول إنما كان عند نزول هذه الآيات . الثاني : أنه تقدم أن الإنسان يستعجل بقوله : { لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } ثم بين أن العجلة مذمومة في أمر الدين ، فقال تعالى : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } ، وقال تعالى بعدها : { بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } [ القيامة : 20 ] . الثالث : أنه قدم { بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } وكان صلى الله عليه وسلم إنما يستعجل خشية النسيان ، فقيل له صلى الله عليه وسلم إن الأمور لا تحصل إلا بتوفيق الله - تعالى - وإعانته ، فاعتمد على الله - تعالى - واترك التعجيل . الرابع : كأنه قيل : غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه ، وتبلغه إليهم ليظهر صدقك ، وقبح عنادهم ، لكنهم يعلمون ذلك بقلوبهم ، فلا فائدة في هذا التعجيل . الخامس : أن الكافر لما قال : " أين المَفر " ؟ كأنه يطلب الفرار من الله تعالى ، فكن أنت يا محمد على مضادة الكافر ، وفر من غير الله إلى الله . السادس : قال القفالُ : الخطاب مع الإنسان المذكور في قوله { يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ } فإذا قيل له : اقرأ كتابك تلجلج لسانه ، فيقال له : لا تعجل ، فإنه يجب علينا بحكم الوعد ، أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك ونقرأها عليك ، فإذا قرآناه فاتَّبعْ قرآنه بالإقرار { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ، وهذا فيه وعيد شديد وتهويل . روى الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك لسانه يريد أن يحفظه ، فأنزل الله تعالى : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } . قال : وكان يحرك شفتيه ، فقال لي ابن عباس : أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما ، فحرك شفتيه ، فأنزل الله تعالى : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } قال : جمعه في صدرك ثم نقرؤه { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ } فاستمع وأنصت ، ثم علينا أن نقرأه ، فيقال : " فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل - عليه السلام - استمع ، وإذا نطق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه " خرجه البخاري أيضاً . ونظير هذه الآية : { وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْؤَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } [ طه : 114 ] . وقد تقدم . وقال عامر الشعبي : إنما كان يُعجِّل بذكره صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي من حبّه له وحلاوته في لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه صلى الله عليه وسلم فنزلت : { وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ } الآية . ونزل : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } [ الأعلى : 6 ] ، ونزل : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ } . قاله ابن عباس : و " قرآنه " أي وقراءته عليك ، والقراءة والقرآن في قول الفراء : مصدران . وقال قتادة : " فاتَّبع قرآنه " فاتَّبع شرائعه وأحكامه . قوله : { وَقُرْآنَهُ } ، أي : قراءته ، فهو مصدر مضاف للمفعول ، وأما الفاعل فمحذوف ، والأصل : وقراءتك إياه ، والقرآن : مصدر بمعنى القراءة . وقال حسان رضي الله عنه : [ البسيط ] @ 4994 - ضَحَّوْا بأشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا @@ وقال ابن عطية : قرأ أبو العالية : " إنَّ عَليْنَا جَمعهُ وقَرَتَهُ ، فإذَا قَرَأنَاهُ فاتَّبع قَرَتهُ " . بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف . ولم يذكر توجيهها . فأما توجيه قوله : " جَمعَهُ وقُرآنهُ " وقوله : " فاتَّبعْ قُرآنهُ " فواضح - كما تقدم - في قراءة ابن كثير في " البقرة " ، وأنه هل هو نقل أو من مادة " قرن " ، وتحقيق القولين مذكور ثمَّة فليلتفت إليه . وأما قوله : بفتح القاف والراء والتاء ، فيعني في قوله : " فإذا قَرَتَه " يشير إلى أنه قُرىء شاذّاً هكذا . وتوجيهها : أن الأصل : " قَرَأتَهُ " فعلاً ماضياً مسنداً لضمير المخاطب ، أي : فإذا أردت قراءته ، ثم أبدل الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة ، ثم حذف الألف تخفيفاً ، كقولهم : ولو ترى ما لصبيان ، و " ما " مزيدة ، فصار اللفظ " قَرَتَهُ " . فصل في لفظ الآية قوله : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } أي بمقتضى الوعد عند أهل السنة ، وبمقتضى الحكمة عند المعتزلة . " جمعه " في صدرك " وقرآنه " أي : يعيده جبريل عليك حتى تحفظه وتقرأه بحيث لا تنساه ، فعلى الأول : القارىء جبريل عليك ، وعلى الثاني محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بقراءته : جمعه كقوله : [ الوافر ] @ 4995 - … … لَمْ تَقْرَأ جَنِينَا @@ فيحمل الجمع على جمعه في الخارج ، والقرآن على جمعه في ذهنه وحفظه لئلا يلزم التكرار ، وأسند القراءة لله لأنها بأمره . وقوله : " فاتبع قرآنه " قيل : حلاله وحرامه أو لا تقارئه بل اسكت حتَّى يسكت جبريل فاقرأ أنت ، وهو أظهر ؛ لأن الآية تدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع جبريل ، وكان يسأله في أثناء قراءته عن المشكلات فنهي عن الأول بقوله " فاتبع قرآنه " ، وعن الثاني بقوله : { ثم إن علينا بيانه } . قوله : { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أي : تفسير ما فيه من الحدود والحلال ، والحرام . قاله قتادة . وقيل : { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ما فيه من الوعد والوعيد . وقيل : إنَّ علينا أن نبينه بلسانك . والضمائر تعود على القرآن ، وإن لم يجر له ذكر . وقوله : { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } يدل على أنَّ بيان المجمل واجب على الله - تعالى - أما عند أهل السُّنة فبالوعد والتفضل ، وإما عند المعتزلة فبالحكمة . والله أعلم . فصل في الرد على من جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية . وأجاب أبو الحسين عند بوجهين : الأول : أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وأنتم لا تقولون به . الثاني : أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعاراً بأنه ليس المراد في اللفظ ما يقتضيه ظاهره . فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي . وذكر القفال وجها ثالثاً ، وهو قوله تعالى : { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه فيحمل على الترتيب ، ونظيره قوله تعالى : { فَكُّ رَقَبَةٍ } [ البلد : 13 ] إلى قوله { ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [ البلد : 17 ] . قال ابن الخطيب : والجواب عن الأول : أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير البيان ، بل يقتضي تأخير وجوب البيان ، فيكون الجواب بالمنع لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة ، وعن الثاني : أنَّ كلمة " ثُمَّ " دخلت على مطلق البيان المجمل والمفصل ، فالتخصيص بأحدهما تحكم بغير دليل . وجواب القفال : بأنه ترك للظاهر بغير دليل . فصل فيمن جوز الذنوب على الأنبياء أورد من جوّز الذنوب على الأنبياء ، بأن هذا الاستعجال إن كان بإذن ، فكيف نهي عنه وإن كان بغير إذن فهو ذنب . قال ابن الخطيب : والجواب : لعله كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي .