Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 17, Ayat: 53-55)
Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
يقول الحقّ جلّ جلاله : { وقل لعبادي } المؤمنين : { يقولوا } للمشركين الكلمة { التي هي أحسنُ } ولا تخاشنوهم ، { إِن الشيطان يَنْزَغُ بينهم } يهيج بينهم الجدال والشر ، فلعل المخاشنة لهم تُفضي إلى العناد وازدياد الفساد . وكان هذا بمكة ، قبل الأمر بالقتال ، ثم نُسخ . وقيل : في الخطاب من المؤمنين بعضهم لبعض ، أمرهم أن يقولوا ، فيما بينهم ، كلامًا لينًا حسنًا . { إِن الشيطانَ ينزَغ بينهم } العداوة والبغضاء { إِنَّ الشيطان كان للإِنسان عدوًا مبينًا } ظاهر العداوة . يقولون لهم في المخاطبة الحسنة : { ربكم أعلمُ إِن يشأ يرحمْكُم } بالتوبة والإيمان ، { أو إِن يشأ يُعذِّبكُم } بالموت على الكفر . وهذا تفسير للكلمة التي هي أحسن ، وما بينهما اعتراض ، أي : قولوا هذه الكلمة ونحوها ، ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه يثير الشر ، مع أن ختام أمرهم غيب . { وما أرسلناك عليهم وكيلاً } موكولاً إليك أمرهم ، فتجبرهم على الإيمان ، وإنما أَرْسلْنَاكَ مبشرًا ونذيرًا ، فَدارهِم ، ومُر أصحابك باحتمال الأذى منهم . رُوي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، وقيل : شتم رجل عمر رضي الله عنه ، فهمَّ به ، فأمره الله بالعفو . { وربك أعلمُ بمن في السماوات والأرض } وبأحوالهم ، فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء . وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيًا ، وأن يكون العُراة الجياع أصحابه . { ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض } بالفضائل النفسانية ، والتفرغ من العلائق الجسمانية ، لا بكثرة الأموال والأتباع ، حتى يستبعدوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقلة ماله ، وضعف أصحابه فإن سيدنا داود عليه السلام كان مثله في قلة ماله وأتباعه ، ثم قواه بالملك والنبوة . ولذا قال : { وآتينا داود زبورًا } وقيل : هو إشارة إلى تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مذكور في الزبور ، وهو أنه خاتم الأنبياء ، وأمته خير الأمم ، وأنهم يرثون الأرض بالفتح عليهم قال تعالى : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } [ الأنبياء : 105 ] . والله تعالى أعلم . الإشارة : من أوصاف الصوفية - رضي الله عنهم - أنهم هينون لينون كلَّفة حرير ، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن ، ولا يفعلون إلا ما هو حسن ، ويفرحون ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون . من رأوه مقبوضًا بسطوه ، ومن رأوه حزينًا فرّحوه ، ومن رأوه جاهلاً أرشدوه بالتي هي أحسن . وهم متفاوتون في هذا الأمر ، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية ، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله . وفي الحديث : " إنَّ الرَّجلُ لَيُدرِكُ بحُسْن الخلُق ، دَرَجََة الصَائِم النهار ، القَائِمِ اللَّيْل " وبالله التوفيق . ثم رجع إلى الكلام مع المشرعين والردّ عليهم