Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 5, Ayat: 82-86)
Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قلت : القسيس : العالم ، والراهب ، العابد ، و { مما عرفوا } : سببية ، و { من الحق } : بيان أو تبعيض ، وجملة : { لا نؤمن } : حال ، والعامل فيها متعلق الجار ، أي : أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنيين ، و { نطمع } : عطف على { نؤمن } ، أو خبر عن مضمر ، أي : ونحن نطمع . يقول الحقّ جلّ جلاله : { لتجدن أشد الناس عداوة } للمؤمنين اليهود والمشركين ، لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم ، وانهماكهم في اتباع الهوى ، وركونهم إلى التقليد ، وبعدهم عن التحقيق ، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ، ومعاداتهم وعدوانهم لا ينقطع إلى الأبد . { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى } ، للين جانبهم ، ورقة قلوبهم ، وقلة حرصهم على الدنيا بالنسبة لليهود ، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل ، وإليه أشار بقوله : { ذلك بأن منهم قسيسين } أي : علماء ، ومن جملة علمهم : علمُهم بوصاية عيسى بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، { ورهبانًا } أي : عبادًا ، { وأنهم لا يستكبرون } عن قبول الحق إذا عرفوه ، بخلاف اليهود لكثرة جحودهم ، وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل محمود ، وإن كان من كافر . قاله البيضاوي . { وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم { ترى أعينهم تفيض من الدمع } من البكاء ، جعل أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها ، وإنما يفيض دمعها ، وذلك { مما عرفوا من الحق } حين سمعوه ، أو من بعض الحق ، فما بالك لو عرفوا كله ؟ { يقولون ربنا آمنا } بذلك ، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم { فاكتبنا مع الشاهدين } بأنه حق ، أو بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم . نزلت في النجاشي وأصحابه ، حين دعوا جعفرًا وأصحابه ، وأحضروا القسيسين والرهبان ، وأمره أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة مريم ، فبكوا وآمنوا بالقرآن . وقيل : نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه ، وفدوا من عنده من الحبشة بأمره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليهم سورة { يَس } ، فبكوا وآمنوا ، فصدر الآية عام ، فالنصارى كلهم أقرب مودة للمسلمين ، من آمن ، ومن لم يؤمن ، وإنما جاء التخصيص في قوله : { وإذا سمعوا } ، فالضمير إنما يرجع إلى من آمن منهم ، كالنجاشي وأصحابه . وإنما جاء الضمير عامًا لأن الجماعة تحمد بفعل الواحد . انظر ابن عطية . ولما دخل الإيمان في قلوبهم حين سمعوا القرآن ، عاتبوا أنفسهم على التأخر عن الإيمان فقالوا : { وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق } { و } نحن { نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } ، وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي أفضل الأمم ، وهذا منهم استفهامُ إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام الداعي ، وهو الطمع في الانخراط مع الصاحلين ، والدخول في مداخلهم ، { فأثابهم الله } أي : جازاهم { بما قالوا } واعتقدوا ، { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين } الذين اعتادوا الإحسان في جميع الأمور ، أو الذين أحسنوا النظر وأتقنوا العمل . ثم ذكر ضدهم فقال : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } ، شفع بهم حال المؤمنين المصدقين ، جمعًا بين الترغيب والترهيب ، ليكون العبد بين خوف ورجاء . والله تعالى أعلم . الإشارة : أشد الناس إنكارًا على الفقراء ، وأشدهم عداوة لهم ، من تقدم في أسلافه رئاسة علم أو جاه أو صلاح أو نسبة شرف ، وأقرب الناس مودة لهم من لم يتقدم له شيء من ذلك ، فالعوام أقرب وأسهل للدخول في طريق الخصوص من غيرهم . والله تعالى أعلم . ولمّا تضمن الكلام مدح النصارى على ترهبهم ، والحث على حبس النفس ، ورفض الشهوات ، أعقبه بالنهي عن الإفراط في ذلك والاعتداء عما حدّه الله بجعل الحلال حراماً ، فقال : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ } .