Back to subchapter overview
Subchapter (Sura: 6, Ayat: 130-134)
Tafsir: al-Baḥr al-madīd fī tafsīr al-Qurʾān al-maǧīd
The Arabic texts on this page originate from AlTafsir.com
قلت : { ذلك أن لم يكن ربك } : خبر عن مضمر ، وأن على حذف لام العلة ، أي : الأمر ذلك لأجل أن لم يكن ربك متصفًا بالظلم . يقول الحقّ جلّ جلاله : يوم القيامة في توبيخ الكفار : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي : من مجموعكم ، أو رسل الجن : نُذُرُهم الذين يبلغون لهم شريعة الأنس إذ ليس في الجن رسل على المشهور . ورَوى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك ، واحتج بأنا لله تعالى أخبَر أن من الجن والإنس رسلاً أرسلوا إليهم ، يعني ظاهر هذه الآية . وأجاب الجمهور بأن معنى الآية : أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم ، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس إليهم ، ولهذا قال قائلهم : { إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى } [ الأحقاف : 30 ] الآية ، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أي : مع الإنس . حال كون الرسل الذين أتوكم { يقصون عليكم آياتي ويُنذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني يوم القيامة ، قالوا في الجواب : { شهدنا على أنفسنا } بالكفر والعصيان ، وهو اعتراف منهم بما فعلوا . قال تعالى : { وغرتهم الحياة الدنيا } ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر ، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، وهذا ذم لهم على سُوء نظرهم وخطأ رأيهم ، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية ، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية ، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرًا للسامعين وإرشادًا لهم . قاله البيضاوي . ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال : { ذلك } الإرسال حكمته لـ { أن لم يكن ربك مُهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } أي : إنما أرسلَ الرسل لئلا يكون ظالمًا لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه ، وهم غافلون عن الإنذار ، بحيث لم ينذرهم أحد ، أو : لم يكن مهلك القرى ملتبسًا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار ، ففاعل الظلم ، على الأول : القرى ، وعلى الثاني : الله تعالى ، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار . والأول يتمشى على مذهب المعتزلة ، والثاني على مذهب أهل السنة . انظر ابن جزي . { ولكلٍّ } من الإنس والجن { درجات } مراتب ، { مما عملوا } من أجل أعمالهم بالخير والشر ، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب ، وظاهر الآية : أن الجن يُثابون ويُعاقبون لأنهم مكلفون ، وهو المشهور ، واختلف : هل يدخلون الجنة أم لا ؟ فروى الطبري وابنُ أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفًا : أنهم يكونون ترابًا كسائر الحيوانات ، ورُوِي عن أبي حنيفة مثله ، وذهب الجمهور وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ، وغيرهم أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة . ثم اختلفوا ، هل يدخلون مدخل الإنس ، وهو الأكثر ، أو يكونون في ربض الجنة ، وهو عن مالك وطائفته ، أو أنهم أصحاب الأعراف ، أو التوقف عن الجواب ؟ في هذا أربعة أقوال ، والله تعالى أعلم بغيبه . { وما ربك بغافل عما يعملون } فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب . { وربك الغني } عن العباد وعبادتهم ، { ذو الرحمة } يترحم عليهم بالتكليف ، تكميلاً ، ويمهلهم على المعاصي حلمًا ، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية ، { إن يشأ يُذهبكم } أيها العصاة ، { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق ، { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } فأنشأكم قرنًا بعد قرن ، لكنه أبقاكم رحمة بكم ، { إنَّ ما توعدون } من البعث وما بعده ، { لآتٍ } لا محالة ، { وما أنتم بمعجزين } تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب . الإشارة : كما أن الحق تعالى لم يُعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل ، كذلك لا يُعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء وهم أهل التربية النبوية ، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرًا على الكبائر أي : كبائر القلوب وهو لا يشعر ، فيلقى الله بقلب سقيم ، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم ، ومعاتبته له : بُعدُهُ عن مشاهدته وعن مقام المقربين ، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة ، قال : غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها ، وجاهها ورياستها ، وشهد على نفسه أنه كان غافلاً . فحِكمة وجود الأولياء في كل قرن لتقوم الحجة على أهل الغفلة ، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحقّ ظالمًا لهم ، فالدرجات على حسب المقامات ، والمقامات على حسب الأعمال ، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب ، بها يقع القرب ، وبالخلو عنها يقع البعد . وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء ، لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة ، فمن رأوه أهلاً لسر الحقيقة دلًّوه عليها ، فكان من المقربين ، ومن رأوه ضعيفًا عنها دلوه على الشريعة ، فكان من أصحاب اليمين . وبالله التوفيق . ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم ، فقال : { قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } .